الدخول والأرشيف نسخة الجوال
 

الأندية الرياضية والثقافة المفقودة

للرياضة أثر كبير في المجتمع السعودي، فلا تكاد تجد بيتًا في المملكة إلا وأفراده ذوو ميول رياضية معينة، وقد تتعدد الميول أحيانًا حتى في البيت الواحد، فالرياضة بصفة عامة وكرة القدم بصفة خاصة باتت وجبة رئيسية لكثير من التجمعات الأسرية والشبابية رجالًا ونساءً، وباتت أحد أهم المناشط الاجتماعية التي يقضي الفرد السعودي وقته من خلالها، ومع التطور الكبير الذي تشهده رياضتنا في ظل الدعم غير المحدود من حكومتنا الرشيدة بات أمر التعلق بحب الرياضة ومتابعتها ومناقشة شؤونها والركض في دهاليزها وقضاياها يتعمق أكثر من ذي قبل، وهذا أمر حسن يجب استغلاله الاستغلال الأمثل من قبل المربين والمثقفين ورواد الإصلاح الاجتماعي، فمن خلال الرياضة يمكن تمرير كم هائل من الرسائل الإيجابية والمعززة للفضائل، ومن خلالها يمكن المساهمة في رقي المجتمع وتحضره، ومن خلالها يمكن مكافحة الكثير من الأدواء والأمراض الاجتماعية، ولا يمكن اليوم لأي قطاع مهما كبر أو عظم أثره جذب هذا القدر الغالب من فئات المجتمع مثل قطاع الرياضة، والأندية الرياضية، وفي هذا الشأن يقول الدكتور خالد كاظم في كتابه دور الأندية الرياضية في الوقاية من التطرف والإرهاب: رؤية من خلال علم الاجتماع، 2016، جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية (بتصرف): الرياضة مظهر من مظاهر التنظيم التنافسي الذي يعتمد على النشاط البدني، وتعد الرياضة ظاهرة مركبة ترتبط بالعديد من المجالات الاجتماعية، كما أنها تتضمن العديد من الأدوار التي يمكن للفرد أن يلعبها رياضيًا كان، أم متفرجًا، أم مستثمرًا، أم عاملًا، أم غير ذلك. وتتضمن الرياضة وجهًا اتصاليًا، يلقي بتداعياته على شكل التفاعل بين الأفراد، وهي تنطوي على معان عميقة ترتبط في تحليلها النهائي بمجموع العلاقات الاجتماعية، حيث إن النشاط البدني ذاته لا يعدو أن يكون مجرد جزء من ممارساتها الاجتماعية المختلفة.
بدأ الإنسان ممارسة الرياضة بشكل عفوي وتلقائي، إلا أن تطور المجتمع وتبدل أحواله، خلق العديد من التحولات على عدة مستويات، والرياضة أحد هذه المستويات، حتى تحولت من العفوية والتلقائية إلى الصناعة والمؤسسية، فالرياضة اليوم ليست مجرد ترفيه ومتعة، ووسيلة لشغل وقت الفراغ، بل هي صناعةٌ، بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، ولا تمارس إلا من خلال مؤسسات ومنظمات خاصة بها.
وتعرَّف الأندية الرياضية بأنها منظمات رياضية وترويحية، تهدف إلى الإسهام بدور إيجابي في التنمية الرياضية والاجتماعية لأفراد المجتمع، وإشباع احتياجات الأفراد ورغباتهم فيما يتصل بالرياضة، وتعرف الجهات المعنية بالرياضة لدينا بالنادي الرياضي: على أنه مؤسسة تربوية رياضية ثقافية اجتماعية، تهدف إلى إعداد المواطن الصالح، من خلال النشاطات والبرامج الرياضية المناسبة.
كانت الأندية الرياضية فيما مضى تضطلع بدور ريادي مهم على مستوى المجتمع، وتقوم بمسؤولية اجتماعية رفيعة المستوى قبل أن ينتشر هذا المصطلح في مجال الأعمال بمختلف قطاعاته، ويحكي لي والدي -حفظه الله- والذي ترأس مجلس إدارة نادي الرائد في بريدة فترة السبعينات الميلادية كاملة، عن الكم الكبير من البرامج الاجتماعية والثقافية التي كان النادي ينفذها وينافس فيها في تلك الفترة على مستوى المملكة، ويحدثني عن الجوائز الكثيرة التي كان يحصدها النادي من مسابقات القصة والشعر والمسرح والرسم وغيرها، ناهيك عن المجلات والمجلات الحائطية المنتشرة حينها كنشاط إعلامي، وكان نادي الرائد الثقافي والاجتماعي ثم الرياضي في ذلك الوقت أشبه بخلية النحل، ومعظم رواده ليس لهم علاقة بالرياضة إلا الميول فقط، إنما كان ارتيادهم للنادي بغرض ممارسة هواياتهم ونشاطاتهم في المسرح والفنون والثقافة.
الأندية الرياضية أنشئت لغرضٍ سامٍ وهدفٍ نبيل، وهو إنتاج شباب قادر صحيح الجسم، صحيح العقل، سوي السلوك والتصرف، ينافس في شرف وعز، ويسهم في رفع راية وطنه في المحافل الدولية بكل اقتدار، فالأندية تعتبر من أهم المؤسسات التي تهتم بالشباب وتؤثر في المجتمع، وتسعى إلى المساهمة في إعداد المواطن الصالح، ولهذا لا بد أن يكون لها دورٌ عـمــيـقٌ وفـاعـلٌ في خدمة المجتمع، وهذا يتطلب القيام بأدوار ومهام أوسع وأشمل من الدوري الرياضي والذي انحصر مؤخرًا في كرة القدم تقريبًا، وأهم هذه الأدوار هو استعادة الدور القديم للأندية «رياضي/ ثقافي/ اجتماعي»، ويكون ذلك عبر تنظيم الفعاليات المختلفة التي يكون فيها التواصل وخدمة المجتمع عبر حزمة من المنتجات سواء كانت ثقافية أم فنية أم توعوية تثقيفية، كجزء من أولوياتها واهتماماتها الموجهة، ولا تكاد تجد مبدعًا في مجال من المجالات الثقافية أو الفنية بمختلف أصناف وأنواع الفن إلا وله ميول كروية، فيمكن أن تتيح الأندية الفرصة للمرموقين والمبدعين من محبيها ومشجعيها على تقديم خدماتهم الإبداعية من خلال منبر النادي للمجتمع بالعموم ولمحبي النادي على وجه الخصوص، وهذا الأخير وحده كفيل بتغطية المجتمع كافة، بل وسيزيد من شعبية بعض الأندية، فكم من مسرحي أو مخرج أو ممثل أو رسام أو قاص أو أديب أو مثقف سيبادر ويسعد لو أتيح له منبرٌ كناديه المفضل يخدم من خلاله وطنه وأفراد مجتمعه.
إن المهمة المنتظرة من الأندية الرياضية أن تعيد النظر فيما تقدمه للمجتمع من برامج ثقافية ومجتمعية، ولن يكون هناك عجز في تأدية ذلك، متى ما توفر الدعم المادي، والذي تسهم فيه الهيئة العامة للرياضة بكل سخاء وكرم، لتساعد الأندية على القيام بواجباتها المنوطة بها، وأنا على ثقة أن كل نادٍ من هذه الأندية يضم في أروقته أو مدرجاته الكفاءات الفاعلة والكوادر القديرة التي تستطيع أن تنظم وتخطط وتنفذ برامجها الثقافية والتوعوية والإبداعية على مستوى المجتمع بجميع فئاته، ليحتل ناديها المكانة الأبرز في مثل هذه المناشط، وكما تستطيع أيضًا هذه الأندية أن تدعم هذه البرامج والفعاليات دعمًا سخيا عن طريق أعضاء الشرف في النادي، أو عن طريق الدعايات الإعلانية التي يمكن استغلالها لرعاية مثل هذه البرامج.
إن التطلعات والأمنيات كبيرة في رياضة بلدنا، وفي الهيئة العامة للرياضة، أن تسهم بدورها في تصحيح العادات والمفاهيم غير السليمة، وأن تسهم بدور ما للنهوض بالجوانب الثقافية والتربوية في المجتمع، فدور هذه الأندية مهم، وتكمن أهميته في تعلق غالب أبناء المجتمع وفئة الشباب تحديدًا بها، وعلى عاتق هذه الأندية أن تملأ عقول هذه الفئة الغالية والمهمة لمستقبل المملكة العربية السعودية قبل أن تملأ وقتهم بالمشاحنات والمجادلات الرياضية، كما أن على عاتقها جزءا من مسؤولية إخراج جيل واعٍ ومثقف ومتحضر، وعليها جزءا من مسؤولية إخراج مكنونات أبنائنا الإبداعية ومواهبهم وصقل قدراتهم.
فهذه الأندية الرياضية هي سياج متين لحماية الشباب من الكثير من العوامل الخطرة مثل التطرف والانحلال، ومحضن أصيل لإبراز ما لديهم من مهارات وإخراجها وتنميتها وصقلها.
أخيرًا، لا أتوخى من قولي الآنف مزاحمة جهات الاختصاص المباشر بالثقافة وبرامجها، إنما ما ذكرت يصب في مجال المساهمة والمساعدة على خلق بيئة ثقافية ثرية غنية، وهو الواجب الذي يجب على كل أحد فردًا كان أو منظمة القيام به كدور وطني يقل أو يكثر وكل بحسبه.

خالد العضاض        2018-02-16 12:52 AM
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي صحيفة الوطن وإنما تعبر عن رأي كاتبها

تعليقات         عرض  |   إخفاء 3 عدد التعليقات :

فرز حسب: الأحدث | الأقدم
  • نريد الوسطية في دين الله (وكذلك جعلناكم أمة وسطا) الاية .. لا نريد التشدد ، ولا نريد الانفلات والتمييع بدعوى التحرر .. الزيادة في دين الله كالنقص فيه .. ولدينا علماء ربانيون في هيئة كبار العلماء مثل معالي الشيخ ، الدكتور ، المؤلف ، الفقيه ، المؤرخ ، الأديب ، المحقق / ابن مكة : عبد الوهاب أبو سليمان وكل الأعضاء الكرام .. ليتهم يعظونا كل يوم .. غرم الله قليل
  • هالحين لو رحت لمترف يلعب بالريال لعب وقلت وش تبي، وش تفكر فيه ياقبلة هل الدار، يبي ايفون آخر صرخة، شاف سيارة أعجبته وناوي يطق مثلها، ويبي يروح دبي يحظر فعاليات كذا وكذا، وعنده استعداد ان يذهب الى أي شيء فيه فرفشه ووناسه، ولو رحت لفقير لوجدته ضايق خلقه، لمبة البنزين مولعة لها يومين ، ووده يروح لزواج احد الأصدقاء ووده يشتري هديه وووو ، آخرتها يطقها نومه لعيون الطفرة، اضبط العلم ياجدي، الأماني يجب ان تكون خارج إطارنا الفكري، والحلول الاجتماعية ليست حسب الأمزجة، تحية وورده 🌹 متعب الزبيلي
  • الشاب هو لا يريد اكثر من حقوقه الطبيعية، يريد وظيفة يريد راتب جيد ، يريد سكن يريد ان يعيش حياته حسب مقدرات وطنه، الشاب يحصل في الثانوية على تقدير ممتاز ويدخل قياس وللأسف يجد ( بانه عليه حين لا يستطيع الإجابة عليه عدم ترك السؤال فارغ وإنما ان يجيب من خلال التخمين ) وما ياترى ستكون مشاعره حين يخمن صح من تقديره مقبول، والممتاز تخمينه خطأ، اي انديه وأي رسم وأي اي !، هناك عوامل احباط كثيرة وعلينا ازالة تلك العوامل من طريق الشباب، الارتقاء بالشباب فكريا ليس الدعوة لتضييع الوقت متعب الزبيلي

ارسل تعليق

أوافق على شروط وأحكام الوطن.