الدخول والأرشيف نسخة الجوال
 

كارثة مقولة العصا لمن عصى

أتمنى أن يفطن المعلم إلى أن الأساليب التربوية البديلة عن العقاب البدني أو اللفظي أثبتت الدراسات التربوية أنها تبقي أثرا إيجابيا على الطالب، وتعالج السلوكيات السلبية بطريقة أجدى من وسائل العقاب الجسدي

لعلكم تذكرون يوم كانت «العصا» الوسيلة التربية الحاضرة والوحيدة في زمن مضى عند المعلمين، وكانت «الفلكة» التي ارتبطت صورتها بالمدرّس والمدرسة آنذاك إلى عهد قريب، ولم تكن الأساليب البديلة للعقاب حاضرة وقتها، بالرغم من أن المعلمين الرواد كي نكون منصفين لهم ومن تلاهم، امتازوا ثقافة وعطاء والتزاما، مع أن بعض من أعمارها اليوم ما بين «الأربعين إلى الستين» عندما تأتي على ذاكرتهم المدرسة والمدرسين الذين علموهم بالأمس، لا يستذكرون من زمنهم، إلا «العصا والفلكة»، وأنا وهذا رأيي، أرى أن ذلك نوع من الجحود، وقلة الوفاء لفضلهم، فكيف ينسى طالب الأمس كل ما قدمه معلموه له من تربية وتعليم، من منطلق حرصهم، وهم من عانى قساوة الظروف وصعوبة البدايات، ولا يتذكرون إلا «جلد» معلميهم لهم؟! على كل حال، مع تطور ميدان التعليم، ودخول الكثير من نظريات التعلم والتربية، وخضوع المدرسين لبرامج التطوير لأدائهم، وللتغيرات التي حدثت لأجيال اليوم، بفضل تعايشهم مع الأجهزة الذكية الإلكترونية، لم تعد «العصا مناسبة»، فكانت الأساليب التربوية البديلة عنها هي الأنسب، إلا أنه بالرغم من تعاميم الوزارة لمدارسها، وتوجيهاتها المستمرة للمدرسين بعدم استخدام أي وسيلة من وسائل العقاب الجسدي أو اللفظي تجاه الطلاب،
ما زلنا نصدم «بمقاطع فيديو» تظهر لنا جلادين لا معلمين «كما حدث مؤخرا في تبوك، مرة بالعصا ومرة بالكف على الوجه، ومرة بـ«اللي» وهو -قطعة من خرطوم للمياه- ظنا منهم أن العقاب الجسدي الوسيلة الأنجح في معالجة السلوكيات السلبية، أو الطريقة الجيدة التي يمكن من خلالها حث طلابهم على المذاكرة، وحل الواجبات، إن كان بقي هناك من المدرسين من يكلف طلابه بواجب منزلي على أهميته».
الحقيقة إن أسلوب العقاب الجسدي لم يعد مجديا مع وجود الوسائل التربوية البديلة في معالجة السلوكيات السلبية، وإيجاد دافعية نحو التعلم، وخلق بيئة تعلم تحترم آدمية الطالب، في حين أن «العصا» تعمل عكس هذه الأهداف التربوية، فالطالب المضروب سيتكون لديه شعور بالامتهان والإحباط، خاصة إذا ما عوقب أمام زملائه، وستحدث عنده فجوة في علاقته مع المعلم يصعب ردمها لاحقا أو ترميميها، والتربويون يعلمون أهمية العلاقة الصحية بين المعلم وطلابه داخل المدرسة في خلق مواقف تربوية وتعليمية تحتاج إلى تفاعل إيجابي يعتمد على استمرار التواصل المعرفي بين الطرفين، ولهذا فخبراء التربية والتعليم كثيرا ما يوصون المعلمين بالابتعاد عن العصا ولو حملها أمام طلابهم، وأن الأنسب لمكانتهم، وحفظ هيبتهم، أن يكونوا أبعد ما يكون عن أساليب العقاب الجسدي، والعقاب اللفظي الذي لا يقل سوءا وتأثيرا سلبيا على شخصية الطالب من العقاب الجسدي، فبينما يزول أثر العقاب الجسدي بعد دقائق، إلا أن العقاب اللفظي تبقى آثاره السلبية ما بقي الطالب يستذكر أن المدرس الفلاني كان يصفه بكذا، أو يلقي على سمعه من العبارات أمام زملائه كذا، إما سخرية أو تهكما أو نعوتا غير جيدة، ومع هذا الكلام كله قد نسمع من المدرسين من لديهم قناعة بالعصا أو ممن يتفق معهم وهم يستشهدون بالحديث «علموا أولادكم الصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر»، إلا أن علماء الشريعة يرون سنده ضعيفا، وأن معناه يتنافى مع منهج النبي محمد، صلى الله عليه وسلم، الذي بُعث رحمة للعالمين، فمنهجه الرحمة بالإنسان والحيوان، والرفق في التعامل مع صغار الأطفال، ثم إن الله -عز وجل- في كتابه، وجّه نبيه إلى سلوك التعامل المثالي مع الناس فقال: «فبما رحمة من الله لنّت لهم، ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك»، ولهذا أتمنى أن يفطن المعلم إلى أن الأساليب التربوية البديلة عن العقاب البدني أو اللفظي، أثبتت الدراسات التربوية أنها تبقي أثرا إيجابيا على الطالب، وتعالج السلوكيات السلبية بطريقة أجدى من وسائل العقاب الجسدي التي تهدم شخصية الطالب وتكسبه سلوكا عدوانيا، سينمو ويصبح مسلكه في التعامل مع الآخرين، ولا أنسى حينما كنت مشرفا تربويا لمدرسي الصفوف الأولية، أنه كان من أهم توجيهاتي لهم «لا تضربوا تلاميذكم» فهم في مرحلة سنية يحتاجون فيها من يراعيهم ويساعدهم لتحقيق النمو النفسي والعمري والانفعالي والعقلي، لإيجاد توافق بينها، كي تتحقق لهم عملية النمو المعرفي والنضج الحياتي الذي سيساعدهم على التعايش مع واقعهم خارج المدرسة، ولجعل بيئة المدرسة عندهم بيئة مرغوبة محببّة، يبقى لي في ختام مقالي أن أقول للمدرسين: إذا ما أردتم كسب محبة طلابكم واحترامهم، فاعلموا أن ذلك يتأتى لكم من خلال العطاء المخلص، والتعامل المحترم مع طلابكم، وباهتمامكم المعرفي بما تمليه عليكم رسالتكم التعليمية، من سمت وخلق والتزام وانضباط وحضور في المجتمع، بما يعكس مكانتكم كمربين ومعلمين لأجيال المستقبل في مجتمعكم، هذه السمات كفيلة بأن تزيد احترام طلابكم لكم، ولا يمكن «للعصا» أن تحقق لكم مكانة، وتحفظ لكم هيبة، وتذكروا قول معلمنا الأول صلى الله عليه وسلم «ما كان الرفق في شيء إلا زانه، وما نزع من شيء إلا شانه».

محمد فايع        2018-02-17 12:54 AM
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي صحيفة الوطن وإنما تعبر عن رأي كاتبها

تعليقات         عرض  |   إخفاء 15 عدد التعليقات :

فرز حسب: الأحدث | الأقدم
  • كلمة رأس للمعلم الذي يمارس الضرب : يا سيدي أنت لست معلما .. أنت جلاد .. أنت متشدد .. أنت لم تطلع على النظريات التربوية الحديثة..أنت عصبي..أنت غضوب..أنت لا تعرف التسامح وقبول العذر .. أنت موظف أسموك ب"الغلط" معلم .. وكلمتي / نصيحتي لك هي: أبحث ك عملا آخر بعيدا عن الإحتكاك بالطلاب ..ويمكن تطلب من إدارة التعليم تحويلك إلى إداري..بذلك ترتاح، وتريح الطلاب وإدارة المدرسة وأولياء الأمور منك ! غرم الله قليل
  • عادة - يلجأ إلى العصا المعلم الضعيف الشخصية ، وغير المعد تربويا ، وغير الواثق من نفسه .. وهذه الأصناف من المعلمين يعرضون أنفسهم للضرب خارج المدرسة ، ولتكسير زجاج سياراتهم .. وكلا الجانبين على غير حق .. غرم الله قليل
  • سأخبركم بظاهرة لازال المجتمع يعتبرها ميزة وحسنة (+) عن مدرس زمان،وهي في الواقع سيئة وكارثة( ـ )..يقولون(كان أولادهم إذا رأوا المعلم فلان يهربون من طريقه إلى حيث لايراهم) ويظنون ذلك احتراما للمعلم..وما دروا أن المعلم المذكور (شديد-يضرب-يقطب الجبين-يكشر-شرس-غير متسامح- وقد يكون ممّن يتلذذ في توظيف/استعمال الفلكة سيّئة الذكر)..لو كان حليما يقوم بدور الأب لأتى إليه الطالب هرولة بدلا من الهروب منه .. غرم الله قليل
  • مقالة تربويه رائعه نحتاج لمثل هذه المقالات نظرا لما لا زال يحدث في بعض المدارس و البيوت من الأساليب التربويه الخاطئه هند عسيري
  • نعم اتفق مع الكاتب بأن العصا لم تعد وسيلة تربيه وتعليم وطرق التربية الحديثة اصبحت متعددة وبأساليب مختلفة نسائم الفجر
  • (*) يقول أخي الكاتب اقتباس : (الحقيقة أن أسلوب العقاب الجسدي لم يعد مجديا ...) انتهى الاقتباس .. عبارة "لم يعد مجديا" لا تصلح هنا لتكملة الجملة ، لأن العقاب الجسدي ما كان مجديا ولن يكون .. غرم الله قليل
  • (*) تربويا - لا يجب تبرير استخدام الفلكة ولا العصا في المدارس ، على الإطلاق .. ومن يقول (أن العصا خرّجت رجال مثلنا) نقول له : اسكت يا أخا العرب .. هل نحن أفضل ممّن سبقنا ؟ هل العرب الان في أحسن أحوالهم لأن الفلكة طلّعت "رجال " - كما تدعي ؟! من تربى على العصا والفلكة سيبقى جل حياته منتقم ، معقد ، خواااااف ! غرم الله قليل
  • (*) أريد أن أسأل الكاتب الكريم : هل كان المعلم الفلكاوي يجرؤ على تفليك ابن مدير المدرسة أو وكيلها أو حتى ابن المعلم أو حارس المدرسة ؟ الجواب : لا .. لأنه يخشى أن يتهم بأنه سيشك في نواياه .. غرم الله قليل
  • (*) يثار بين الطلاب - من باب الدعابة - أن المعلم الفلكاوي كان يتعمد تفليك الطلاب الوسيمين - وطبعا هذا الكلام غير صحيح .. ولكنها دعابة مرّة .. = غرم الله قليل
  • (*) كثير من الطلاب يكره المعلم الذي كان يتمتع باستخدام الفلكة لعلمهم أن هذا المعلم "الفلكاوي" - من الفلكة - اطّلع على عورتهم ، والعورة عند الطالب العربي المسلم يجب أن لا تنتهك أبدا = غرم الله قليل
  • (*) يقول الكاتب الكريم " لم تعد العصا مناسبة " .. وهنا نقول لقد خانك التعبير - سيدي .. لأن عصا الفلكة أداة انتقام وعقاب .. وعلينا أن نتذكر أن الطلاب في "زمن الفلكة" لم يكونوا يلبسون السراويل ، ل"ضيق ذات يد ولي الأمر".. وإصرار المعلم على استخدام الفلكة بالذات ، وعدم اللجوء إلى البدائل لا يجعلنا نتعاطف معه ولا يعطينا الحق في قبول حسن نيته فنقف معه .. غرم الله قليل
  • تأملات في المقال : (*) من يضرب لا يمكن أن يُحب - كائن من كان - لأنه عندما يضرب لم يكن همه تقويم سلوك الطالب ، وإنما كان يريد أن ينفّس عن غضبه ، وتشنجه ، فيستختدم الضرب ل"ينتقم" لنفسه أولا وليرعب الطالب ثانيا ..= غرم الله قليل
  • اخي المحترم التصور من خارج اي إطار لن يكون كما الوضع المعاش، فلا نعاتب رجل المرور كونه لايؤدي عمله كما يفترض، فقبل عتابه علينا ان ننظر بأن مثلا الاختناقات المرورية خارج إطار فرض النظام ، وهكذا المعلم ، هو يجب ان نتصوره كما هو إنسان ذَا مشاعر وميول ورغبات، فهناك استهتار يفوق التصور ويسبب فلتان الأعصاب ، لكن طالما هناك نظام يمنع الضرب يجب الامتثال، ويجب ايضا تطبيق البدئل ولكن دون تراجع متعب الزبيلي
  • بكل تأكيد يجب ان يكون التعامل حسب نوعية الطالب ، فهناك طلاب يفترض عدم إحراجهم أمام زملائهم الطلاب ، حتى وان بدر منه خطأ هو يبدو غير مقصود، مع اختيار وقت مناسب للنُصح لاحقا، اما الطالب المستهتر يجب التعامل معه على وجه السرعة بتوجيهه للمدير ورفض دخوله الفصل الا بإلزامه في إحضار ولي أمره وحين يماطل في حضور ولي أمره يُرفع به لإدارة التعليم ويُطلب نقله لمدرسة أخرى، اما ان كان هناك اخطاء وتسامح وغض نظر فلنحمل مايجينا متعب الزبيلي
  • قال صلى الله عليه وسلم : مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر سنين، وفرقوا بينهم في المضاجع ، للضرب دور في التربية والتأديب ولكن لايعني هذا " المبرح " وان يتم تجنب ضرب الوجه ، وهنا نصيحة لكل معلم ، طبق الأنظمة المعمول بها في حال تجاوز خاصة طلاب الثانوي ممن يعمل بما انه فتوه ، منذ اول خطأ لاتتنازل أبدا وثق بأن إصرارك سيمنع تطفل كثير من غير المؤدبين، وتسامحك ستدفع ثمنه متعب الزبيلي

ارسل تعليق

أوافق على شروط وأحكام الوطن.

 جرافيك الوطن Instagram Facebook Twitter الوطن ديجيتال