الدخول والأرشيف نسخة الجوال
 

المزايدة جهل في الشرع ونقص في العقل

يصرخ ويسيء الأدب، ويزايد على دين العالم وغَيرته، ثم ما يلبث إلا أن يكون مع الخوارج الغلاة، أو مع المنفلتين الشهوانيين، الذين لا همَّ لهم إلا مُناكفة الشريعة

المُزايَدة: هي المُغَالاَة وإظهار الإنسان أنه أفضل من غيره، بل ولمز غيره ممن هو خيرٌ منه بأنه لم يقم بالواجب، هذه الصفة قاتلة، تدل على أن المتصف بها لديه جهل في الدين، ونقص في العقل، ولها آثار سلبية، على الفرد والمجتمع، وهذا وإن كان ملاحظا عند بعض المتحدثين من محبي الشهرة، وطيران السمعة في الآفاق، من طلاب الدنيا.
إلا أن وجود ذلك عند من يدَّعي بفعله ذلك: الدين، والتقرب إلى الله، أشد خطورة، لكونه جناية على الدين، ومؤدياً لاستباحة دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم، وغالبا هذه الصفة تكون عند الجفاة من الخوارج ومن سلك سبيلهم.
وتأمل معي أخي القارئ الكريم هذا الحديث الشريف، أنقله بنصه كما ورد، فقد روى البخاري (3610) ومسلم (1064) عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقسم قسما أتاه ذو الخويصرة وهو رجل من بني تميم فقال: يا رسول الله اعدل، فقال: (ويلك! ومن يعدل إذا لم أعدل؟! قد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل)، فقال عمر: يا رسول الله ائذن لي فيه فأضرب عنقه، فقال: (دعه فإِن له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم يمرقون من الدينِ كما يمرق السهم من الرمية...) أرأيت أخي القارئ الكريم هذه المزايدة، يزايد على عدالة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو يرى أن رسول الله عليه الصلاة والسلام لم يعدل، فيقول بكل حمق وجفاء وإعجاب بالنفس: (اعدل)، وفي بعض الروايات: (والله إنها لقسمة ما أريد بها وجه الله).
هذا هو نفس الخوارج وكِبْرهم وتيههم وجهلهم، وإن شئت مثالا آخر -وما أكثر الأمثلة- فتأمل مزايدة الخوارج واعتراضهم على أمير المؤمنين علي رضي الله عنه عندما قَبِل تحكيم بعض الصحابة رضي الله عنهم، وإنهاء القتال، فمع أنه رضي الله عنه من أعلم الناس بالكتاب والسنة، وأكثرهم غَيرة على دين الله، إلا أن أولئك الخوارج المزايدين أُعجبوا بعلمهم وتدينهم، متوهمين أنهم أعلم منه رضي الله عنه، فقالوا له: لماذا تُحكِّم الرجال في دين الله، أنت مخالف لقول الله تعالى: (إن الحكم إلا لله)، وقد تولى ابن عباس رضي الله عنهما بيان جهلهم، عندما قال لهم: إن الله صيَّر حكمه إلى الرجال في ثمن ربع درهم؛ فقال: (لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم﴾ أنشدكم بالله: أحكم الرجال في صلاح ذات البين وحقن دمائهم أفضل، أو في أرنب؟
وقال لهم أيضا إن الله حكَّم الرجال في صلح الزوجين فقال تعالى: (وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها﴾ فجعل الله حكم الرجال سنة مأمونة.
والمقصود: أن المزايدين من أهل الغلو في الدين، معجبون بأنفسهم، يرون أنفسهم فقط هم الذين يحبون الدين، ويحمون حوزته، ويعملون بكتاب الله، ولهذا طبيعتهم في كل زمان ومكان: المنابذة والاعتراض والتجمهر والتهويل والتداعي والصخب والضجيج.
والراصد والمتابع: يرى أن لذي الخويصرة، ودعاة التحكيم، المنابذين لأمير المؤمنين علي رضي الله عنه، أن لهم في زماننا أتباعا، فها نحن نرى أشخاصا يقبعون بين ظهراني الكفار، ويقتاتون على ما يدفعه لهم أعداء الإسلام، يزايدون على غيرهم من الفضلاء، مدعين لأنفسهم أنهم دعاة عدالة وحرية ونزاهة وأمانة، مع أنهم بضد ذلك تماما، فأين الديانة والأمانة ممن يقتات على ما يدفعه له أعداء الإسلام، ليكون صوتا لهم في تدمير وطنه ومجتمعه؟ ولو لم يكون خائنا لبلده وأمنه واستقراره، ما أعطوه دولارا واحدا، وأين الحرية ممن هو عبد للهوى والشيطان وأعداء الإسلام الذين يسيرونه كما أرادوا، ولو لم يفعل لقطعوا عنه المؤونة والمأوى، وكيف يزايد ويدَّعي أنه يدافع عن المجتمع وحقوقه، وهو فاجر كذّاب؟ وعلامة كذبه وفجوره أنه يثير أعداء الإسلام على أمن مجتمعه واستقرارهم، وزوال حكم ولاتهم.
ومن المزايدة كذلك: ما رأيته من بعض الشباب في تعاملهم مع العلماء الراسخين، يأتي أحدهم وهو حديث عهد برضاعة، إلى عالم راسخ زاد عمره في العلم والدعوة على ثمانين عاما، فيواجهه بكل صفاقة: اتق الله يا شيخ لماذا تسكت، وهذا المنكر الذي يحدث هو في ذمتك، ألا تخشى الله، لماذا تداهنون في دين الله؟
هكذا يصرخ ويسيء الأدب، ويزايد على دين العالم وغَيرته، ثم ما يلبث إلا أن يكون مع الخوارج الغلاة، أو مع المنفلتين الشهوانيين، الذين لا همَّ لهم إلا مُناكفة الشريعة وأحكامها وحملتها، لكونه انتقل من أقصى اليمين، إلى أقصى الشمال، وتأمل ذلك تراه عيانا بيانا، ولله الأمر من قبل ومن بعد.

أحمد الرضيمان        2018-02-22 10:29 PM
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي صحيفة الوطن وإنما تعبر عن رأي كاتبها

تعليقات         عرض  |   إخفاء 10 عدد التعليقات :

فرز حسب: الأحدث | الأقدم
  • خذوا هذه الحقيقة:كان سكان قرية مجاورة لقريتنا قد فرغوا من صلاة المغرب بعد يوم كانوا فيه منهكين من التعب من صرام القمح، وعند خروجهم من باب المسجد كان الشيخ/دباج مقدما على المسجد .. فسلم عليهم الشيخ وأمرهم بالعودة للمسجد ليصلي بهم ثانية بحجة أنهم صلوا قبل دخول الوقت..فصلوا معه ثانية وعندما قال الشيخ سمع الله لمن حمده بعد ركوع طويل، قال أحد المأمومين"يا ظهرك يا عبادة"بدلا من قول"ربنا لك الحمد"وبعد الصلاة جرت المحاسبة.. المعنى لا للتشدد في دين الله لأنه ينفر ولا يقرب. غرم الله قليل
  • سؤال لقراء الشيخ : هل ترون أن تشدد من أسموا أنفسهم بالصحوة والصحويين جعلت الناس يتحاشون الجلوس معهم والاستماع اليهم ، لأنهم خصصوا نسبة كبيرة من وعظهم عن المرأة وحول المرأة - وكأن ملاحقة المرأة في كل شارع وسكة ، ومحاربة توظيفها أولى الأولويات ، وأهم المهمات ؟ رأيكم ! غرم الله قليل
  • هل التشدد يقربنا إلى الله ؟ غرم الله قليل
  • من قال إن غامد وما بعدها جنوبا لم تدخل في الإسلام الا في عام ١٢١٢ هج. "زايد" على الجغرافيا والتاريخ ، لأنه اعتبر من كان ليس حنبليا أو متبعا للشيخ الجليل ابن عبد الوهاب ، غير مسلما .. وغامد والجنوب عموما كانوا شوافع فتم تحويلهم إلى المذهب الحنبلي ال... راجع كتاب ابن بشر (عنوان المجد في تاريخ نجد) وكتاب ابن غنام (تاريخ نجد) لتجد العجب العجاب فكل ما هو ليس حنبلي لم يسلم بعد .. غرم الله قليل
  • من فرض العباية ذات اللون الأسود ، على سعدى وسعدية ، ولم يقبل اللبس البديل المأخوذ من نفس عادات وتقاليد البيئة ، تجرأ على التحليل والتحريم "من عندياته" لأن الصحابيات - رضوان الله تعالى عنهن - كن لا يلبسن العبايات ، ولو حاورت المتشدد لقال أنت ( كافر ، زنديق ، علماني ، ليبرالي ) اختر مما بين القوسين .. غرم الله قليل
  • من حرم الأكل بالشوكة والسكين بدون دليل ، زايد وزاد في دين الله .. منهم لله ! غرم الله قليل
  • والله العالم من ضمن الخوارج الاخوان المسلمين جامية قطر وخدم النظام الانقلابي ف قطر سامي العلي
  • السؤال: ماهو الدافع الرئيس لهؤلاء؟ الإجابة: يريدون السلطة عبر بوابة الدين ليس إلا. إذا عرف التشخيص يسهل العلاج ويتم الشفاء. مسبار
  • يقال ، عندنا نحن العوام / نحن "صغار السن" أن المزايدة طريق ذو اتجاهين : (١) اتجاه يمثل الحاهلين / المفرطين / المنقلتين / اليافعين / المراهقين / سرعان الناس ، وهذه تؤخذ عليهم كمثلبة ، وتعد من الخوارم ونقصان في العقل .. (٢) والاتجاه الثاني يمثل المتشددين ، المغالين ، المتحجرين ، الذين لا يقبلون بمبدأ ما يسعه الخلاف .. وكلا الطرفين "غالط" .. والغائب هو/هي "الوسطية في دين الله .. ما أحوجنا لها يا شيخي الفاضل ؟! غرم الله قليل
  • ما أصدق محتوى مقالاتك شيخنا الكريم ! غرم الله قليل

ارسل تعليق

أوافق على شروط وأحكام الوطن.

 جرافيك الوطن Instagram Facebook Twitter الوطن ديجيتال