الدخول والأرشيف نسخة الجوال
 

لا إنكار في الخلافيات والكل على خير

للخلاف ضوابط اعتنى بها كثير من العلماء، فمنهم من حصرها في ست مسائل، ومنهم من حصرها في ثماني، ومنهم من أوصلها إلى ستة عشر سببا؛ ولم يكن الخلاف بينهم يفضي إلى نزاع، أو إلى تعصب، وما كان اختلافهم ليخرجهم عن التزام الأدب في تناول المسائل الخلافية التي بينهم، بل لم يمنعهم أبدا هذا، من تجويز تقليد مذهب آخر، وربما الانتقال من مذهب إلى مذهب.
من أهم الضوابط والقواعد المتعلقة بما سبق قاعدة: «عدم الإنكار في المختلف فيه»، ومعناها أن لا يعاتب الشخص شخصا آخرا، أو ينهاه عن العمل برأيه؛ بسبب أنه مخالف لما يراه، وهي قاعدة سار عليها جمهور الفقهاء، وذكر الإمام أحمد أنه يُنْكَر المختلف فيه، وفرَّق الشيخان ابن تيمية وابن القيم بين مسائل الخلاف ومسائل الاجتهاد، وبالنظر والتحقيق نجد أن الخلاف لفظي، لأن المراد بمسائل الخلاف عند الجمهور هي تلك المسائل التي خفيت دلالتها، إما لعدم الإجماع عليها، أو لعدم ورود دليل فيها أصلا، وكل مسألة لم يرد فيها نص قاطع في ثبوته تُعَدُّ خلافية، إلا إذا انعقد الإجماع على تعيين أحد المعاني المحتملة.
قاعدة: «عدم الإنكار في المختلف فيه»، قاعدة منطبقة تماما على بعض المسائل الكلامية وأكثر المسائل الفقهية، ومعلوم أن المسائل المنصوص عليها نصّا قطعيّا ثبوتا ودلالة، لا اختلاف فيها، وأن الاختلاف كان ولا يزال حول المسائل غير المنصوص عليها مطلقا، والمسائل المنصوص عليها نصّا ظنيّا ثبوتا ودلالة، أو نصّا ظنيّا ثبوتًا دون الدلالة أو العكس، ولا يلتفت إلى قول في مسألة ليس عليه دليل، أو عليه دليل ليس قويّا.
وفي المسائل الفقهية الخلافية، ليس أحد القولين بأولى من الآخر؛ لأن المسائل الفقهية لا تعدو أن تكون من قبيل الظنيّات، والظنون قابلة للتعارض، ولا ترجيح بين ظن وآخر، كما أنه لا ترجيح في المختلف الذي يقع بين المذاهب لاختلاف الأدلة، وإنما يجب إنكار فعل يخالف المجمع عليه، لأنه لا دليل عليه، وما اختلف في تحريمه فلا يجب إنكاره لاحتمال أن الفاعل قلّد من يرى حِلّه، أو أنه قد جهل تحريمه، كما أن من شروط الإنكار ألا يؤدي إلى فتنة، فإن أدى إلى ذلك لم يجب، بل ربما كان حراما.
أختم بخلاف جميل قديم بين السابقين، في أنه: هل كل مجتهد مصيب، أم أن المصيب واحد، والآخر مخطئ، ولا إثم عليه لعذره؟ ومرد خلافهم هو فهمهم لحديثه صلى الله عليه وسلم «إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر»، فمن قائل للمجتهد أجر ولولا إصابته لم يكن له أجر، ومن قائل لو كان مصيبا لم يسمه مخطئا، وحصل له الأجر على تعبه في الاجتهاد، وبعضهم ذكر أن التصويب إنما هو في الفروع، أما أصول التوحيد فالمصيب فيها واحد، وقد ذهب بعضهم إلى تصويب الاجتهاد حتى في أصول الدين.

عبدالله فدعق        2018-12-01 8:24 PM
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي صحيفة الوطن وإنما تعبر عن رأي كاتبها

تعليقات         عرض  |   إخفاء 4 عدد التعليقات :

فرز حسب: الأحدث | الأقدم
  • ما أساء لنا - نحن الحنابلة - مثل المتشددين لمذهبنا ! للإمام أحمد - رضي الله عنه - أكثر من رأي في المسألة الواحدة (في بعض المسائل) متى توفر الدليل .. وهذا دليل على قبوله الرأي والرأي الفقهي الآخر.. ولكن تلاميذه المتأخرين هم من تشدد وليس إمام السنة - الله يرحمه ويرحم الجميعر.. غرم الله قليل
  • هل كان بوسع أحدنا الانتقال من المذهب الحنبلي -مثلا- إلى أي مذهب آخر بمباركة الصحويين قبل عقد أو عقدين أو ثلاثة عقود؟ لا أعلم .. ليت من يعرف أن يفيدنا وله الشكر ؟ غرم الله قليل
  • إذا كان "بعض الأمور يسعها الخلاف"، فكيف نفسر القول السائد عند البعض"نحن الفرقة الناجية الوحيدة - رضي من رضي وأبى من أبى - ولنا الجنة، وغيرنا كلهم فرق ضالة، ولهم النار .. ؟ ألا ترى أن علينا إعادة النظر في بعض الأديان الفقهية، التي تم تأصيلها من قبل أتباع حسن البنا وسيد قطب، وأذرعتهما كالقاعدة والصحويين، لتنقيتها مما لحق بها من إضافات ما أنزل الله بها من سلطان؟. غرم الله قليل
  • "لا إنكار على في الخلافيات، والكل على خير" .. هذا رأيك ولكنه - لم يكن يوما ما - رأي أعضاء هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر "الميدانيين" إلى عهدٍ قريب! والناس تتأثر بالآمر الناهي المباشر في الميدان أكثر من الفقيه الذي بمكتبه يقرأ القرآن. غرم الله قليل

ارسل تعليق

أوافق على شروط وأحكام الوطن.