الدخول والأرشيف نسخة الجوال
 

متاهة وسائل التواصل الاجتماعي

أصبحنا حقيقة لا نعرف، هل وسائل التواصل الاجتماعي وسرعة انتشار المعلومات والأحداث المختلفة خلالها، نعمة أم نقمة علينا؟!، بما تحويه تلك المنشورات من بيانات متنوعة وأفكار متضاربة وأخبار شاملة للغث والسمين، علاوة على ما تكشفه من مستور الأحداث وخلفيات الحالات والمواقف التي تحيط بنا، ونعيشها في مجتمعنا والمجتمعات الأخرى، وبما يتولد عنه أحيانا شكوك لدينا حول كثير من المعلومات الحقيقية والمفاهيم التي تلقيناها في مراحل تعليمنا المختلفة، أو ما وصل إلينا خلال ما كنا نتابعه عبر وسائل الإعلام التقليدية، لمعلومات وأخبار تم تمحيصها ودراسة محتواها، والتحقق من مدى صلاحيتها للتعميم والنشر قبل نشرها رسميا.
بمعنى، أنه كانت هناك سُلطة عليا وإدارة متابعة حاكمة لجميع ما يتم نشره، وبما يتفق مع التوجهات الوطنية والصالح العام، وبما تستهدفه الجهات المختلفة من نشر معلومات تتصل بقطاع معين، أو لحقائق تخدم الثقافة العامة والتوعية المجتمعية، بما يسهم في تحقيق تنمية اجتماعية شاملة.
وعليه، فإن المادة الإعلامية كانت مقننة وقيّمة ومدروسة إلى حد كبير، بل وتعمل على بناء حصانة ثقافية ونفسية وتوعوية عما يحيط بنا من أحداث، وما يتسرب إلى مسامعنا وأبصارنا من مشاهد ومعلومات مختلفة.
وبالطبع، فإن ذلك لا يعني أننا نطالب بتشديد الرقابة على ما ينشر رسميا، وإنما على النقيض فكلما حوى النشرُ الرسمي المسؤول شفافيةً في البيانات ووضوحا في المعلومات، كلما ازدادت المصداقية فيه، وارتفعت قيمته المرجعية كمصدر أساسي للبيانات المهمة غير المغلوطة أو المزيفة، لأن إجازته للنشر من جهة رسمية، يعطيه الاستحقاق والقبول للتعميم والتأكيد على صلاحيته، فلا يُخشى من محتواه المعلوماتي، لأنه تمت مراجعته وتقييمه من جهة مسؤولة.
وعلى الرغم من أهمية التطور التقني الذي نشهده ويكتسحنا، خلال وسائل التواصل الاجتماعي، وما تلعبه من دور كبير ومهم في تيسير سبل التواصل بين أفراد المجتمع، بمختلف طبقاته وشرائحه، وما تسهم فيه بنشر المعلومات المفيدة وغيرها، إلا إننا لا ننكر أن مختلف آلياته وبرامجه الشائعة أتاحت إمكان النشر غير المسؤول بمختلف سلبياته وإيجابياته، والذي أسهم كذلك -إلى حد كبير- في نشر السطحية الثقافية، وعمل على هدم القيم، وكشف الأسرار، وتعدي الحواجز، باختراق الخصوصية ونشرها للعموم من الأشخاص أنفسهم وممن يدعمهم، حتى أصبح كل شيء مشاعا للجميع.
ليست هناك أبواب مغلقة ولا أفكار أو معلومات أو أخبار تخضع للتمحيص للوثوق من مدى صلاحيتها، كل من يخطر على باله: فكرة أو توجُّه أو مشهد، يسعى إلى نشره بين كل شرائح المجتمع، دون اكتراث لحجم ونوع التأثير والمسؤولية الذي سيجده منشوره -سلبا أو إيجابا- بل على العكس هو يسعى إلى النشر على أكبر نطاق.
الكارثة الكبرى تكون، عندما يسهم في إصدار ونشر تلك الترهات من الأفكار والمعلومات، مَنْ هم متخصصون علميا، سواء كانوا أطباء أم مهندسين أم أكاديميين أم رجال دين، بتخصصاتهم المختلفة، لأن هؤلاء هم مصدر ثقة للجمهور، وكلامهم سيكون مؤثرا على شريحة كبيرة ومهمة من الناس أكثر من غيرهم، ولذا عليهم الوثوق من المعلومة والتثبت من مصداقيتها ومرجعيتها العلمية، حتى لا يكون سببا في تشكيك الجمهور العام، في معلومات أو سلوكيات لحقائق معروفة وإجراءات كانت سائدة منذ زمن.
لا ننكر أن هناك مستجدات في العلوم والمعارف مستمرة ولا تنضب، وما بين يوم وآخر يفاجئنا العلم بنتائج متجددة لبحوث علمية دقيقة، حول كثير من المفاهيم التي كنا نعتقد بصحتها أو نطبقها في حياتنا اليومية، وذلك ليس عليه خلاف ولا اعتراض، لأن ذلك ديدن العلم وسنته الطبيعية، ولكن الخلاف والاعتراض على ما ينشره بعض المتخصصين علميا حول حقائق مهمة وممارسات صحية أو غيرها، لمجرد رؤية هو يراها: كالتطعيم، وأدوية الكوليسترول، وغيرها، أو فكرة علمية أو فتوى دينية تسيطر عليه، دون التثبت من مصداقيتها، أو أن يُمنح ترخيصا رسميا بنشرها.
من الطبيعي أن يكون هناك اختلاف في الرؤى وفي المواقف لكثير من المعلومات التي ترد إلينا بمصادرها وأنواعها المختلفة، وذلك يمكن مناقشته في مجموعات نقاشية ولقاءات علمية ومنتديات منظمة، ليدلي كلٌّ بدلوه، وفي ذلك تحفيز على النقاش والحوار العلمي الهادف المفيد والبناء، ولكن ترخيص الفرد لنفسه بالأحقية في الحديث والاستعراض لكل ما يخطر على باله وما يؤمن به من أفكار، قد تناقض الثوابت والحقائق العلمية، أو ما تم التعارف على صحته، ودون أن تكون لديه مرجعية علمية مثبتة، أو حقائق مقنعة، أو ترخيص رسمي من جهات تخوله ذلك، فتلك هي الكارثة، لأنه بذلك يسهم في بث الريبة والشك لدى كثير من المتلقين، ليس نحو تلك الفئات المتعلمة فقط، وإنما حتى تجاه الجهات المسؤولة المعنية، خاصة مع سرعة انتشار المعلومات والمشاهد عبر وسائل التواصل.
وللأسف، إن ذلك قد يمتد تأثيره حتى إلى المتعلمين والمثقفين، لكونه صادرا من متخصص وليس من عامة الناس، التي قد يؤخذ ما ينشرونه بين الجد والهزل والقبول والرفض.
ندرك بالطبع أن هناك رقابة إلكترونية كذلك على ما يتم نشره عبر وسائل التواصل الاجتماعي والنشر الإلكتروني، ولكن من الملاحظ -من الواقع الذي نعيشه- أنه لا يمكن فلترة جميع ما ينشر وما يتم تداوله إعلاميا، لأنه لا يدخل ضمن المحاذير أو المعلومات التي لها حدود أو خطوط حمراء تمنع من تعديها أو مخالفتها.
ولذلك، وفي ذلك الخضم الكبير من التدفق الإعلامي الشائع، والذي لا نملك أن نكون في عزلة عنه، في زمن تطغى فيه التقنية على جميع حياتنا، فالمسؤولية الدينية والوطنية والإنسانية كبيرة نحو ما يتم نشره أو السعي إلى ترويجه، لا بد من التوثق من المعلومات والتثبت من مصداقيتها، خاصة من أولئك المتخصصين والمتعلمين الذين يكون تأثيرهم كبيرا وعميقا، وإن مراقبة النفس ومحاسبتها فيما ينشر، هو واجب ديني وإنساني ووطني وعلمي، فالكلمة أمانة والنشر مسؤولية.
نحتاج تفاعلا مجتمعيا، وتعاونا إنسانيا، للحد من نشر كثير من الترهات الإعلامية التي لا تستهدف سوى الشهرة واستهلاك أوقات الجمهور، والتلاعب بأفكارهم وتسطيحها، بما يسهم في الهبوط بالثقافة العامة ومستوى الإدراك والوعي لدى أفراد المجتمع، بل ويعمل على الانحراف عن الجدية، وإضعاف العزائم نحو المفيد من الأمور، وذلك جميعه ينعكس سلبا على مستوى تنمية المجتمع ودرجة رقيه، ونوعية نتاجه المادي والثقافي، كما يدفع نحو التعلق بقشور الحضارة وكماليات التقدم العلمي، دون السعي نحو سبر أغوارها ومحاكاتها أو الابتكار فيها بإبداعات جديدة.
فهل نفتخر بأننا ممن يتصدرون قائمة مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي؟!
 

عبلة مرشد        2018-12-04 11:20 PM
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي صحيفة الوطن وإنما تعبر عن رأي كاتبها

تعليقات           |   0 عدد التعليقات :

ارسل تعليق

أوافق على شروط وأحكام الوطن.

 جرافيك الوطن Instagram Facebook Twitter الوطن ديجيتال