الدخول والأرشيف نسخة الجوال
 

من استعجل شيئا قبل أوانه عُوقب بحرمانه

وذلك أن المتعين على العاقل، أن يفعل الشيء في أوانه، فلا يستعجل ويقطف الثمرة قبل بدو صلاحها، ولا يتأخر فيقطفها وقد ذهب وقت صلاحها، ولا يتكلم قبل أن يكون للكلام داع وموجب، ولا يتأخر فيتكلم وقد ذهب وقت الكلام، لأنه يحرج نفسه بذلك، إذا مُنع من الحديث، ولم يكن لكلامه معنى، فكل شيء في وقته جميل، ويُنسَب للشافعي قوله:
إذا هبّت رياحك فاغتنمها * فعُقبى كل خافقةٍ سكونُ
‎وفي هذا المعنى قول الأمير خالد الفيصل:
‎اليا صفالك زمانك علّ ياضامي
 ‎ اشرب قبل لايحوس الطين صافيها
والمعنى أن يبادر الإنسان باغتنام الفرص المشروعة والمباحة في وقتها.
وكما أن هذا في الأمور الدنيوية، فكذلك الأمور الشرعية، فإن الإنسان -كما ذكر ابن سعدي- إذا تعجّل الأمور التي يترتب عليها حكم شرعي قبل وجود أسبابها الصحيحة لم يفده شيئا، وعُوقب بنقيض قصده، ويندرج تحت هذا الأصل صور عديدة، منها حرمان القاتل: الميراث، وكذلك إذا قتل الموصَى له: الموصِي، بطلت الوصية، ومثل إذا طلق زوجته في مرض موته المخوف: فإنها ترث منه، ولو خرجت من العدة، ومما يدخل في هذا أن من تعجّل شهوته المحرّمة في الدنيا، عُوقب بحرمانه في الآخرة، إن لم يتب منها، كما قال تعالى (وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُم بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُون).
ويُقابل هذا الأصل أصل آخر، وهو أن من ترك شيئاً لله عوّضه الله خيرا منه، ولم يجد فقده، ومثال ذلك: ما ذكره الله عن المهاجرين الأولين، الذين هجروا أوطانهم وأموالهم وأحبابهم لله، فعوّضهم الله الرزق الواسع في الدنيا، والعز والتمكين.
 والنبي إبراهيم -عليه السلام- لما اعتزل قومه وأباه، وما يدعونه إليه من دون الله، وهب له إسحاق ويعقوب والذرية الصالحين، والنبي يوسف -عليه السلام- لما ملك نفسه، وعصمها من الوقوع مع امرأة العزيز، مع شدة مراودتها له، عوّضه الله أن مكّن له في الأرض، يتبوأ فيها حيث يشاء، ومن حزمه -عليه السلام- أنه لما خُيِّر بين السجن، وبين القرب من دائرة الفساد، ولم يكن خيار ثالث، اختار السجن وقال (رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْه)، وإلا فالسجن ليس مطلبا لمن لم يؤمر بمعصية، ولا يختاره على العافية والسلامة عاقل، ولهذا عدّ يوسف -عليه السلام- الخروج من السجن نعمة فقال (وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن).
 وأهل الكهف لما اعتزلوا قومهم وما يعبدون من دون الله، نشر لهم من رحمته، وهيأ لهم أسباب الراحة، وجعلهم سببا لهداية الضالين، ومريم ابنت عمران لما أحصنت فرجها، أكرمها الله، ونفخ فيها من روحه، وجعلها وابنها آية للعالمين، ومن ترك ما تهواه نفسه من الشهوات المحرمة لله تعالى، عوّضه الله من محبته وعبادته والإنابة إليه، ما يفوق لذات الدنيا كلها، قال تعالى: (وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَىٰ * فإن الجنة هي المأوى).

أحمد الرضيمان        2018-12-09 8:42 PM
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي صحيفة الوطن وإنما تعبر عن رأي كاتبها

تعليقات           |   0 عدد التعليقات :

ارسل تعليق

أوافق على شروط وأحكام الوطن.

 جرافيك الوطن Instagram Facebook Twitter الوطن ديجيتال