الدخول والأرشيف نسخة الجوال
 

لم يخلقنا الله لكي نرضيك

الإطراء الخادع الزائد ليس فقط يخدر المسؤول بل مع الوقت يحيطه بحاجز وهالة لا يستطيع معهما رؤية الحقائق وينتقل بعدها لمرحلة البرج العاجي

«الصحافة هي أن تنشر ما لا يريد أحدهم أن يراه منشوراً، فيما عدا ذلك فهي مجرد علاقات عامة» جورج أورويل ـ كاتب وصحفي بريطاني وروائي من أشهر روائيي العصر الحديث ـ.
يبدو أن بعض المسؤولين يريدون موظفي علاقات عامة أو بين قوسين (مطبلين) وليسوا صحفيين، أي نقد لا يعجبهم يعتبر غير بناء، وأي مدح لهم هذا هو تعريف النقد أو (التطبيل البناء) في نظرهم.
هناك مقولة شهيرة «إذا لم يتم انتقادك أبدا، فأنت لا تفعل شيئاً يحدث أي فرق»، هناك مسؤول يعتقد أن وظيفة الصحافة إسعاده ومدحه، يقول الدكتور شيا «الانتقاد الإيجابي هو الصديق الجيد، والإطراء غير الصادق هو الصديق المزيف».
دعونا نرجع إلى الأصالة والوراء قليلاً، وأتكلم عن نفسي وجيلي فقد ترعرعنا وعشنا في الرياض، جيل حكم سلمان ومدرسة سلمان، ما زلت أذكر وغيري كيف كان قصر الحكم مفتوحا يومياً، ويؤمه آلاف الناس من شتى أنحاء منطقة الرياض، وأبو فهد بصورته الجميلة وببشته في صدر المجلس، والناس لديها معاريض وطلبات بالمئات يومياً، فهذا الذي يشكو، وهذا الذي يطالب بحق، وهذا الذي ينتقد الخدمات والجهات الحكومية إلخ.. لم أر أو أسمع أن أبا فهد خلال عقود قال لأحد «ليه تنتقدون الجهات الحكومية أو الخدمات؟»، بل كان مجلسه ومكتبه مفتوحين للجميع.
نحن أهل الرياض تربية أبي فهد، تعودنا على الصراحة مع الحاكم، وهو كان أبانا الروحي في الرياض في كل ما يخص شؤوننا، ولا يستطيع أي مسؤول أن يرجع الساعة إلى الوراء، فقد شببنا على ذلك وسنشيب عليه، أستغرب كيف تأتي الجرأة لبعض المسؤولين في ألا يريد أن يسمع نقداً، وكل من انتقد أداء دائرته جعله عدوه.
تعلموا من حكامنا، عقود مرت وبعض الناس يأتي الإمارة لا أسلوب له، وبصوت عالٍ، ومع ذلك ما زعل أبو فهد بل على العكس رفع مكانته بين الشعب، وكان يضرب مثلاً على صبر الحاكم وسعة باله وحكمته.
قبل مدة ليست قصيرة اتصل بي أحد الزملاء من إحدى الوزارات لأني أنتقد أداء وزارتهم، وقال لي إن الكلام غير دقيق وإن التقارير التي تأتي تدل على رضا وتحسن كبير، فسألته من يعد التقارير، فقال قسم خاص بالوزارة، فرددت عليه يعني موظفين عندكم!، طبعا كانت تلك الوزارة تُنتقد من كثيرين غيري أيضاً، لكن لا أعلم من وضع في بال المسؤولين فيها أن كل من ينتقدهم هو عدو ومبغض وله أجندته!.
وسأعطي مثالا واضحا، نظام (أبشر) لم أسمع أو أر أي شخص انتقده بل الجميع يثني عليه، وهذا يدل على أن الناس تعرف الجيد من الرديء، وأن حملات العلاقات العامة والتجميل لبعض الوزارات الأخرى لا تفلح في إقناع الناس بالخدمة السيئة، الناس أصبحت واعية، والجيد واضح والرديء أيضا، الناس شهود على الأرض.
لا يعتقد بعض المسؤولين أن القيادة العليا لا تعرف عن أدائهم أو أنها ليست مطلعة على عملهم، وأن حملات العلاقات العامة والمشاهير ستغير الصورة الحقيقية، القيادة تعرف جيدا كل ما يدور، وأن أداء بعض المسؤولين غير مرض حتى لو تلحفوا بالشعارات، وحتى لو حاولوا تشويه صورة كل من ينتقدهم، نحن في عصر أبي فهد، مرجع في معرفة معادن الرجال، لكنه صاحب بال طويل وصبور.
تكلمنا سابقا في مقال «تدوير الوجوه الذابلة» عن بعض المسؤولين، وأن بعضهم استنفد وقفز من منصب لآخر دون إنجاز ملموس يذكر إلا تكوين شبكة علاقات.
والآن يتحدث بكل بجاحة ويعتبر أن إنجازاته أنه انتقل من منصب لآخر.. لكن ماذا عمل؟! أي شيء ملموس؟.
في بداية عملي بالصحافة فيما يقرب من عقد، كنت أمدح بعض المسؤولين من باب التشجيع لكن توقفت بسبب أن كثيرا من المسؤولين لدينا يأخذ جرعات عالية من المدح والتطبيل من العلاقات العامة لدائرته ومن بعض الإعلاميين، فقلت في نفسي أي مدح إضافي سيكون جرعة زائدة!.
للأسف الشديد الإطراء الخادع الزائد ليس فقط يخدر المسؤول بل مع الوقت يحيطه بحاجز وهالة لا يستطيع معهما رؤية الحقائق، وينتقل بعدها لمرحلة البرج العاجي وهنا الخطورة، فيسد عنه الرؤية الصحيحة للأمور، ولا يتعلم أبداً، فبعد أن يتركه المنصب تجد هؤلاء المطبلين الذين كانوا حوله حتى السلام لا يسلمون عليه، لأنهم مشغولون بالتزلف للمسؤول الجديد، ويعاد السيناريو.
ليس هذا فقط، بل إن بعض المسؤولين بدأوا بحملات تشويه ومحاولة استبعاد لبعض الإعلاميين الذين انتقدوهم، وإن لم يجدوا شيئاً ضدهم قاموا بتأليف القصص والروايات.
الله سبحانه وتعالى خلقنا لعبادته، وبعض المسؤولين يعتقد أن مهمتنا السامية في الحياة مدحه، وإنجازاته لا شيء يذكر، والبعض ينتفخ ريشه ويعيد ويكرر أنه خدم الدولة لسنوات، ويتجاهل أن ذلك تكليف وليس تشريفا، وثانيا أنه خدم براتب وليس تطوعا لعيون الشعب، وثالثا إنجازاته لا شيء مجرد خبرة لسنة واحدة مكررة ثلاثين مرة، فلم تتطور ولم يتطور، وتنطبق عليه المقولة «إذا لم تكن منفتحا للنقد البناء، فإذن أنت في الحقيقة لست منفتحا على التطور الحقيقي كشخص».
يأتي البعض من المسؤولين منفوخ الأنا وواضعا الشعارات الكبيرة تقية حوله وهو أبعد ما يكون عن روحها، ويعيد ويكرر أنه يبحث عن النقد، وينسى أن تلك الشعارات مبنية على التقييم والنقد والتعديل والتطوير، لكن في أول تجربة لنقده تجده انتفض وأزبد وأرعد! أين المحاضرات النظرية؟! أتمنى أمنية من بعض المسؤولين أن يتعلموا قليلا من سعة بال وحكمة أبي فهد وأبي سلمان، لم يظهر مسؤول لسنوات يعترف بالمشكلات والأداء مثل ولي العهد أبي سلمان تجده في كل لقاءاته يعيد ويكرر، هناك قصور في المكان الفلاني والمكان الفلاني، حتى وزارات سيادية ذكر مشاكلها بكل شفافية، ولم يزد ذلك الناس إلا إعجابا بشفافيته وقدرته على التطوير، لأنه يعرف أين مكامن الخطأ، لكن للأسف بعض الجهات الحكومية بليت بمسؤولين صغار في أدائهم ومستوى تفكيرهم، ولكنهم كبار في غرورهم وشخصنتهم للأمور وهم لا شيء، بل كما قال أرسطو في مقولته الشهيرة «هناك فقط طريقة واحدة لتجنب النقد، افعل لا شيء، قل لا شيء، وكن لا شيء».

صفوق الشمري        2019-01-30 11:28 PM
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي صحيفة الوطن وإنما تعبر عن رأي كاتبها

تعليقات           |   0 عدد التعليقات :

ارسل تعليق

أوافق على شروط وأحكام الوطن.