الدخول والأرشيف نسخة الجوال
 

عبد الـمُعين!

إذا تأملنا تاريخ بلادنا المباركة في الدولة السعودية نجد الكثير من الإنجازات التي وَفَّق الله ملوكنا الأبرار لتحقيقها على غير مثالٍ سابق، ومن أعظمها: الإنجازات الوقائية التي كفى الله بها بلادنا من شرورٍ وبلايا عظامٍ، مثلها قد يَهُدُّ الأركان ويُقَوِّضُ البنيان

لا تنفك سيرةُ أيِّ حاكمٍ من الحكام من اجتهادٍ يُمكن أن يُكتب له في تاريخه، وكلهم يسعى لتحقيق ذلك قدر وِسعِهِ ومبلغ علمه.
- فبعضهم: يُوفق لما هو خير، فيحفظه له التاريخ في صفحاته المُشرِّفة.
- وبعضهم: لا يُهدى إلا لشرٍ يُذكر به على مَرِّ التاريخ، وقد يُبتلى فيظنه خيراً له، فيسعى لفعله بمحض اختياره.
- وبعضهم: لا يُوفق لأيٍ من هذين الأمرين مهما بلغ اجتهاده، فلا تكاد تجد له ذكراً.
أما من يُوفق منهم للخير فتتفاوت درجات ذلك الخير فيما بينهم، ومن هذا التفاوت: يتحدد ما يُكتب له في التاريخ وما لا يُكتب، ومن يُقَدَّمُ على غيره ومن يُؤَخَّر.
وإذا تأملنا تاريخ بلادنا المباركة في الدولة السعودية نجد الكثير من الإنجازات التي وَفَّق الله ملوكنا الأبرار لتحقيقها على غير مثالٍ سابق، ومن أعظمها: الإنجازات الوقائية التي كفى الله بها بلادنا من شرورٍ وبلايا عظامٍ، مثلها قد يَهُدُّ الأركان ويُقَوِّضُ البنيان، لا سمح الله!.
لا شك أن أكبر الإنجازات لبلادنا السعودية التي حدثت في منتصف القرن الماضي جاءت بتوفيق الله لجلالة المؤسِّس الملك عبدالعزيز يرحمه الله فَوَحَّد الكيان الكبير (المملكة العربية السعودية)، غير أن الإنجاز الوقائي الفيصل - في عهد المؤسِّس الملهم غفر الله له - هو وقفته أمام فتنة الإخوان عام 1347هـ؛ التي كادت تعصف باستقرار الدولة، وتُفَرِّقُ شمل المجتمع بأكمله، وكان قراراً جريئاً وخطيراً وحاسماً؛ فانقشعت غمامة الفتنة، وبانت شمس الحق والحقيقة، واستقرت الدولة، واكتمل بنيانها حتى وصلنا إلى ما صرنا إليه - من فضل الله تعالى - والقافلة تسير بحمد الله.
بعد ذلك خلف المؤسِّسَ ابنُهُ الأكبرُ ووليُّ عهده جلالةُ الملك سعود، فاحتمل الأمانة أحد عشر عاماً تقريباً، وحقَّق الكثير من الإنجازات على الصعيدين الدولي والداخلي، وأسس ـ رحمه الله رحمة واسعة ـ الكثير من المشروعات التنموية.
تولى من بعده جلالة الشهيد - بإذن الله تعالى - الملك فيصل يرحمه الله، فانتشل الدولة بعد تَرَنحها، وأقامها على أقدامها، وواجه التيار الشيوعي السائد ذلك الوقت بالدعوة إلى التضامن الإسلامي، وكان من أعظم إنجازاته التاريخية الوقائية قراره الفيصل في الحرب ضد الصهيونية عام 1393هـ بقطع إمدادات البترول عن الدول المساندة لعصابات صهيون، مما اضطر معه قادة تلك الدول إلى امتطاء الدراجات الهوائية في تنقلاتهم بعد انقطاع إمدادات النفط السعودي عنهم، فكان لذلك كبير الأثر في استعادة الكثير من الأراضي العربية المحتلة، وفي منع الكيان الصهيوني من تحقيق أطماعه التوسعية على حساب العرب وأرض العرب.
تولى من بعده جلالة الملك خالد يرحمه الله، فتحقق له من الإنجازات والنماء ما يُذكر فيُشكر له يرحمه الله، ومن أهمها: إنجازٌ وقائيٌ جريءٌ لم يكن ليجرؤ عليه لولا توفيق الله لجلالته غفر الله له، فقضى مطلع عام 1400هـ على الفتنة التي لاذت بالحرم المكي الشريف خلال أسبوعين من قيامها وقبل أن تستفحل، فَتُهَيِّجَ العامة، وتستدرج الغوغاء، فشكر الله لجلالته كل ما أنجزه لأمته وغفر له.
استلم القيادة من بعده خادم الحرمين الشريفين الملك فهد يرحمه الله، فَوُفِّقَ لمثل ما وُفِّقَ إليه أسلافه، وكتب الله له من الإنجازات الكثير الكثير غفر الله له، ومن أهمها: إنجازٌ وقائيٌ أخطر وأعم وَأَطَمٌّ من كل ما سبقه، فكان القرار التاريخي عام 1411هـ باستضافة شعب وحكومة الكويت، ثم بالاستعانة بمئات الألوف من القوات الصديقة؛ لإنهاء احتلال دولة الكويت، والقضاء على الأطماع التوسعية لصدام حسين الرئيس العراقي في حينه، ثم بحسن التَّخَلُّصِ من تَبِعَات تلك الاستعانة دون آثارٍ محيطةٍ بكيان الدولة أو بوحدة شعبها، ولولا تلك الخطوة الجريئة الرائدة لتغيرت الجغرافيا السياسية في منطقة الخليج تغيراً غايةً في السوء، لا يعلم مداه إلا الله، فغفر الله للملك فهد، ورحمه رحمة واسعة.
تولى بعد هؤلاء الساسة الغُرَر واسطة العقد خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز مليكنا المحبوب مَتَّعَهُ الله بدوام الصحة والعافية، وَيَسَّرَ له كل ما يصبو إليه من خدمة دينه وبلاده.
لقد تصدى الملك العادل لإصلاح المؤسسة القضائية، بعد تردِّي أوضاعها وتشرذمها وعجزها عن استيعاب الأنظمة والقوانين اللازمة لتسيير حاجات الأمة المختلفة في حاضرها ومستقبلها، فكان أن جعل إصلاح مرفق القضاء همه الأول، وبذل لأجل ذلك آلاف الملايين من الريالات، ولن يبخل مقامه الكريم بأكثر مما بذله من أجل تحقيق هذا الهدف، فالغاية النبيلة لا يُستكثر لتحقيقها المال، ولا تُؤَخَرُ مسيرتُها لمجاملة، ولا يُقدِمُ عليها غير الصادق الهُمَامِ مِن الملوك والحُكَّام.
لقد بذل مليكنا المفدَّى الأموال الطائلة، وَسَنَّ الأنظمة الموضوعية والإجرائية، فأخرج لنا مقامه السامي الكريم: نظام القضاء، ونظام ديوان المظالم، ونظام هيئة البيعة، ويُوشك أن يُصدِرَ لنا قريباً جداً: نظام الشركات، وأنظمة التمويل الخمسة، وأمر - على الفور - باستقلال المحكمة العليا عن المجلس الأعلى للقضاء، كما أمر بتحويل قضاء التمييز إلى قضاء استئناف، وَيُوشِكُ - أيَّدَهُ الله - أن يعتمد تعديلات أنظمة: المرافعات الشرعية، والإجراءات الجزائية، وقواعد المرافعات والإجراءات في ديوان المظالم.
ما هي إلا أيامٌ قلائل لتصدر هذه المنظومة القضائية النادرة، ولتبدأ بعدها الانطلاقة نحو تحقيق الهدف الأسمى؛ لبناء كيانٍ قضائيٍ سعوديٍ فريدٍ، يسند الحكومة، ويدعم مصالح المجتمع السعودي مواطنين ووافدين، وَيُظهِرُ المقاصد الحسنة لولاة أمر هذه البلاد في تحقيق العدل بين العباد، والقضاء على الظلم والفساد، ولإعلاء شرع الله ومنهاجه الخاتم على سائر النظم والقوانين والتشريعات العالمية.
هذا جزءٌ من كُلٍ يأمل تحقيقَه خادمُ الحرمين الشريفين سَدَّدَهُ الله، ويتطلع إلى تَحَقُّقِهِ كُلُّ أفراد شعبه وجميعُ المهتمين بسيادة الشريعة المحمدية؛ من العرب والمسلمين، وكل العقلاء من أهل العدل والإنصاف على وجه الأرض.
لَكَأَنيِّ بخادم الحرمين الشريفين يترقب تلك اللحظة الفريدة النادرة؛ التي يرى مشروع تطوير القضاء قد آتى أُكُلَه، فَنَعِمَ الناسُ بظلاله ، وَطَعِمُوا من ثماره، بل إني لأذهب أبعد من ذلك؛ فأرى مليكنا المفدى يَعُدُ الساعات قبل الأيام؛ لِتَقَرَّ عَينُهُ بمشروعه الرائد، وأتخيله يَستَحِثُّ همم من أناط بهم القيام بتلك المهمة بكل ما أوتي من قوة.
غير أني لست أعلم تفسيراً لما يعتريني عقب كل تلك التطلعات الحالمة والتصورات الجميلة، وأتمنى بصدق ألا ينطبق ذلك المثل العامي الذي فيه ذِكرٌ لرجلٍ يُدعى بــ/ عبد الـمُعين. والله المستعان.

ناصر الداوود        2011-05-09 1:41 AM
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي صحيفة الوطن وإنما تعبر عن رأي كاتبها

تعليقات         عرض  |   إخفاء 6 عدد التعليقات :

فرز حسب: الأحدث | الأقدم
  • إظهارك د. ناصر لهذه العهود الجليلة فخر لهذه الدولة المباركة ,,ويبين مدى الحرص من ولاة الأمر على مرفق القضاء الذي يستوجب على العاملين العمل الدؤوب لرفعة هذا المرفق في هذا البلد الطيب. صالح
  • مقال جميل .... د.نوره
  • مقال جميل وأتمنى صدور الأنظمة الجديدة عاجلا صوت ...
  • جميل جدا عرض تاريخي . علي
  • كنت ولازلت من أشد المعجبين بمقالاتك فضيلة الدكتور لما تتميز به من حسن البيان وفصاحة الكلمة وصدقها فهذه المقالات دائماً ما تصب في مصلحة المرفق القضائي والذي يعتبر من أهم مرافق الدولة.ونشكرّ جريدة الوطن لأستقطابها هذا القلم الفذ. للقانون سيادة!
  • استعراض جميل لتطور المنظومة القضائية في بلادنا وتحليل دقيق لأسباب ذلك التطور والمؤمَّل خيرٌ بإذن الله أما عبدالمعين فسيعينه الله ليكون المعان بإذن الله . فقط لننتظر صدور الأوامر الجديدة المستكملة لتنظيم العمل القضائي في بلادنا فلاريب أنها ستضع آلية للتنفيذ والمتابعة وربما المحاسبة . الدكتور إبراهيم

ارسل تعليق

أوافق على شروط وأحكام الوطن.

 جرافيك الوطن Instagram Facebook Twitter الوطن ديجيتال