الدخول والأرشيف نسخة الجوال
 
آخر تحديث: الإثنين 1 سبتمبر 2014, 9:40 ص

تسويق السعودية

يمكن إحصاء بضع جهات حكومية اجتهدت في مضمار تسويق الدولة مثل الهيئة العليا للاستثمار والهيئة العامة للسياحة والآثار، وكذلك وزارة الخارجية في المجال الدبلوماسي، وكل هذه الجهات تسعى لأهداف محددة وواضحة

تسويق السعودية كدولة في هذا العالم المتغيّر يواجه تحديات كبرى لعل أبرزها يتمثل في احتدام المنافسة العالمية على حصص التجارة والسياحة والاستثمار واللوجيستيات، وكذلك عمق تجربة الدول الأخرى في السوق العالمي، وعراقة حضورها التاريخي في أذهان الناس، وأيضاً المعايير المنحازة التي توضع أحياناً بشكل يخدم مصلحة دول معينة - أو تكتلات دولية - على حساب دول أخرى. ما يوحد بين كل هذه التحديات هو كونها خارجية من حيث المصدر وموحّدة من حيث النوع، وتواجهها كل دولة تسعى لتسويق نفسها سواءً كانت البرازيل أو أستراليا أو ماليزيا. غير أن لكل دولة من هذه الدولة تحديات داخلية ذات طبيعة تختلف من دولة لأخرى. فالصين تعاني عند تسويق نفسها من سمعة حزبها الشيوعي الحاكم كسلطة قمعية ومن ملفات حقوق الإنسان المتراكمة فيها، وبريطانيا وفرنسا وألمانيا تعاني من تاريخها الاستعماري الذي ما زالت جراحه بادية على أجساد دول عديدة في المنطقة؛ مما يجعل أي بادرة تسويقية من قبلهم مشوبة بالتوجس والكراهية المسبقة، والولايات المتحدة طالما عانت عند تسويق نفسها من سياساتها الدولية المنحازة وسمعتها كشرطيّ عالمي متقلب المصالح. فلا الحزب الشيوعي الحاكم في الصين مستعد للتنازل عن سلطته من أجل صورة تسويقية أفضل، ولا بريطانيا قادرة على محو تاريخها الاستعماري الطويل، بينما تحاول الولايات المتحدة الأميركية توظيف آلتها الثقافية الكبرى (إعلاماً ومجتمعاً وهجرة) للتقليل من أثر سياساتها الخارجية وتسويق نفسها بصورة أفضل.
أما في السعودية، فإن أبرز التحديات الداخلية التي تعيق عملية تسويقها دولياً هو عدم حضور مفهوم تسويق الدولة بشكل ملحّ في الإستراتيجية الاقتصادية؛ مما أدى إلى تضاؤل فرص نمو هذه الثقافة بشكل طبيعي حتى أصبح طرحها الآن يعدّ منفراً ومثيراً للريبة. فتسويق الدولة، بغض النظر عن جوهره العلميّ وضرورته الواقعية، يعكس لدى كثيرين حالة مبتذلة يربأ البعض بدولة مثل السعودية أن تنخرط فيها. وكذلك فهي حالة مثيرة للريبة خشية أن يؤدي ذلك إلى تقديم تنازلات ثقافية تتعارض مع السائد من الأعراف والتقاليد. وبطبيعة الحال، فإن تسويق الدولة لا يعني بالضرورة عرضها للبيع! ولا يعني أيضاً تقديم تنازلات للعميل المستهدف. الصورة المهزوزة التي تصاحب مفهوم التسويق باعتباره (دعاية) هي صورة سطحية يتم استنباطها بشكل مباشر من تسويق المنتجات والخدمات ثم يتم إسقاطها على تسويق الدول الذي هو مفهوم مختلف في سياقه وطبيعته. الاعتراض المبدئي على تسويق الدولة ينبع غالباً من اعتبارات نرجسية أو قومية تدخل جميعها في سياق إساءة فهم (تسويق الدولة)؛ حين لا تدرك أن هذا المفهوم ليس إلا تتويجاً لمقدّرات الدولة ومكتسباتها الوطنية، وتمكيناً لها من من أن تبوأ مقعدها العالمي المستحقّ. إضافة إلى ذلك، فهو ضرورة اقتصادية يفرضها الاقتصاد العولميّ الآن على الجميع، وإن بدت حاجة الدول ذات الاقتصاد الريعيّ له غير ملحّة، فإنها تزداد إلحاحاً بشكل مضطرد لا يغفل عنه سوى ساهٍ عن الساحة الدولية أو مفرّط في مستقبل وطنه.
وفي السعودية، يمكن إحصاء بضع جهات حكومية اجتهدت في مضمار تسويق الدولة مثل الهيئة العليا للاستثمار والهيئة العامة للسياحة والآثار، وكذلك وزارة الخارجية في المجال الدبلوماسي، وكل هذه الجهات تسعى لأهداف محددة وواضحة، وفي أغلب الأحيان مؤقتة أو مؤطرة بسقف معلوم، وفي جميع الأحيان تقيّد هذه الجهود قوانين وأنظمة واعتبارات سياسية لا حصر لها. وطالما اصطدمت الهيئة العليا للاستثمار بالترهل العام في البيئة البيروقراطية داخل السعودية مما اضطرها لقصر نشاطها على جلب رؤوس أموال ذات مواصفات معينة يمكن أن يخصص لها أنظمة استثنائية في نطاق محدود، ولطالما اصطدمت الهيئة العليا للسياحة والآثار بقيود إجرائية وأمنية وثقافية تعيق عملية استقطاب السائح الأجنبي أو الاستفادة من بعض المناطق الأثرية سياحياً. كذلك انخرطت وزارة الخارجية منذ أحداث سبتمبر في جهود دبلوماسية واسعة لنفي شبهة الإرهاب العالمي عن السعودية؛ فاصطدمت بخلايا إرهابية محلية من أبناء الوطن زادوا مهمتها صعوبة وتعقيداً. إذاً، كل جهة حكومية تناولت الجانب الذي يعنيها من تسويق الدولة ومارسته بطريقة لم تخل من القصور ولم تسلم من العوائق. لم يتم تسويق الدولة كإستراتيجية شاملة من قبل، ولم تنبر لهذه المهمة أي جهة حكومية بشكل مستقل، ولا يلام أي منها على ذلك بطبيعة الحال؛ حيث لا يوجد جهة حكومية تملك سلطة كافية للتحكم في جميع الجوانب المتعددة التي تسهم في تكوين صورة تسويقية للسعودية.
ولكن إذا افترضنا أن السعودية تمكنت من تجاوز كل العوائق المختلفة، وشرعت فعلياً في إستراتيجية تسويق شاملة يتحقق من خلالها حضور عالمي أقوى وفوائد اقتصادية ملموسة، فإنها ستصطدم أيضاً بمشكلات تتعلق بماهية الصورة التي يتعيّن على هذا الإستراتيجية التسويقية خلقها في ذهن العالم. فموقع السعودية على الخريطة الدولية يحمل إشكالات عدة من دورها الجوهري في أسواق الطاقة إلى موقعها الجيوسياسي كقوة إقليمية، بالإضافة إلى مكانتها المحورية كمركز ديني على مستويي الثقافة والجغرافيا. كل هذه الأبعاد تجعل من عملية تسويق السعودية مشروعاً معقداً، ليس لأن هذه الاعتبارات السابق ذكرها تتعارض مع القيمة التسويقية بالضرورة بل ربما لأنها تقترح محاور تسويقية أكثر تعقيداً مما يمكن أن تختزله صورة تسويقية موحّدة. فتسويق السعودية كمصدر طاقة العالم يعرضها لانتقادات بيئية ناهيك عن تعرضها للّوم - بسبب أو دون سبب - عند كل أزمة طاقة في العالم، وتسويقها كقوة جيوسياسية في الشرق الأوسط يفرض عليها التزامات إقليمية تتنافى مع الحياد الذي يفترض بالمراكز الاقتصادية، كما أن تسويقها كمركز إسلامي ومهوى أفئدة يطرح من المعادلة أربعة أخماس العالم من غير المسلمين. كيف يمكن للسعودية أن تسوّق نفسها كدولة تسويقاً يعكس كل هذه المقدرات الكبرى التي تمتلكها؟ إن محاولة تكريس كل هذه الأبعاد في صورة واحدة يخرج عادة بصورة معقدة غير قابلة للرسوخ في ذهن العالم بسهولة. ولعل المقالة القادمة تقترح رؤية مبدئية لتبسيط هذه الصورة وتجاوز العوائق المذكورة.

محمد علوان        2011-09-22 3:23 AM
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي صحيفة الوطن وإنما تعبر عن رأي كاتبها

تعليقات         عرض  |   إخفاء 19 عدد التعليقات :

فرز حسب: الأحدث | الأقدم
  • لك أخي الكريم الكاتب الإقتصادي التنويري كل التقدير - وموضوع نضوب البترول هام , وإني لأرجو أن تخصص له مقالة قريبة نستنير فيها بوجهات نظرك الرصينة ! شكرا" لك وللأخوة الكرام الحبيب محمد مدشوش ومسمار والحربي (نبض المجتمع) ومجرد ناقد , وشاب (عجوز) وحسن الغامدي ! دعشوش
  • محمد بن مدشوش: بالتأكيد، والمثال الذي ضربته هو تسويق سياسي/دبلوماسي. إسرائيل تمارس تسويقاً اقتصادياً أيضاً باعتبارها (معمل أبحاث) العالم، وتحقق نجاحات ملموسة في ذلك السياق. تحياتي لك محمد حسن علوان
  • دعشوش: أعتقد أن مدة (سبع سنوات) مبالغ فيها بشكل كبير. صحيح أن العمل على الاستغناء عن النفط دؤوب ويحقق تقدماً.. ولكن اختراع التقنية البديلة شيء.. وإتمام نشرها على العالم شيء آخر. تحياتي لك محمد حسن علوان
  • الحربي/نبض المجتمع: التاجر مسؤول عن مساعيه الشخصية، وما دام يحققها في إطار النظام والقوانين فلا لوم عليه. النظام هو المسؤول عن توجيه القدرات التجارية السعودية نحو الهدف الاستراتيجي. تحياتي لك محمد حسن علوان
  • عجوز: الدعاية والإعلان هو فرع من فروع التسويق، ولكنه الأكثر ظهوراً وبالتالي يشتبه كثيرون في كون التسويق هو الإعلان فقط. تحياتي لك محمد حسن علوان
  • مسمار: لدى السعودية مقدّرات هائلة قابلة للتسويق غير النفط. المشكلة أن هذه المقدّرات غير مفعّلة تجارياً وتسويقياً بعد لأسباب مختلفة لعل أهمها: عدم حضور الحاجة الاقتصادية الملحّة بعد. تحياتي لك محمد حسن علوان
  • مجرد ناقد: وجهة نظرك منطبقة على أنظمة اقتصاد ما قبل العولمة، حيث لا يكون للدول الريعية المعتمدة على مصدر دخل واحد حاجة للتسويق. ولكن الاقتصاد العولمي يفرض ثقافة اقتصادية جديدة معتمدة على التسويق كركيزة أساسية للمنافسة والحضور. تحياتي لك وشكراً لمشاركتك محمد حسن علوان
  • الى الأحبة : دعشوش و محمد بن مدشوش، هذا هو الفارق بين من يستخدم اللسان للتخطيط و من يستخدم عقله. حسن الغامدي
  • التسويق امر مهم جدا جدا وكل دولة تحتاج للتسويق بشكل مدروس. اسرائيل على سبيل المثال قبل ان تسلب الشعب العايش على ارضه سوقت لنفسها عدة سنوات واستفادت من كل شارده وواردة وتمسكنت للعالم الغربي بانها ظلمت في اماكن كثيرة وان عليهم مساعدتها وكان لها ما ارادت الطرف العربي والفلسطيني كل تولى جزء من القضية فمنهم من اراد حرقهم ومنهم من اراد رميهم في البحر وكل ذلك اضاف لهم حماية اكثر واقوى فالتسويق امر مهم. محمد بن مدشوش
  • اريد منكم التأمل في هذه الجملة الإفتراضية والصادرة بالإتفاق من البيت الأبيض والأتحاد الأوروبي : (( ثبت علميا" أن العالم سيستغني عن مشتقات البترول بعد 7 سنوات , وبدأ التعميم على مصانع الالات لإيقاف تصنيع ( الطيارات / السيارات / مواطير الماء / الخ. أو أي آلة تعتمد على البترول فورا" لوجود الطاقة البديلة ) والتي بدأ توفرها في الأسواق ))! هل مستقبلنا في ( خطر / أمان ) ؟! دعشوش
  • للعالم إلا من النفط ومنتجاته الخام وهو ما يشكل عبأ اقتصاديا على الوطن والمواطن على المستوى القريب والخطورة تكمن في المستوى الأبعد , وللأسف أن تسمع عن افتتاح مصانع هنا ولكن حقيقتها توزيع وتفريغ كمي للمستورد والرابح الحقيقي اقتصاديا ومعنويا وثقافيا وحضاريا هي الدول والشركات الغربية والعالمية إن عدم توجه رجال اعمالنا للإنتاج الصناعي وعدم دعم البحوث والباحثين سيكرس حالة التخلف والفشل الذريع لوطننا ولنا ... والله تعالى المسدد 2/2 الحربي/ نبض المجتمع
  • أثريآئنا ورجال أعمالنا هم من يتحمل مسؤولية تخلفنا حضاريا وصناعيا باقتصارهم على الاستيراد من الخارج لكل شيئ تقريبا والاكتفاء بفتح معارض لتسويق المنتج العالمي , مع ربح بسيط لتاجرنا وللوطن.مما يجعلنا أمة مستهلكة لآمنتجة ومتخلفة حضاريا ومعه يزيد اعتمادنا على المستورد العالمي بل ونصبح تبعا لهم اقتصاديا بل وحتى ثقافيا ويكثر بسبب ذلك الشباب العاطل عندنا . مع زيادة في إعمال الشباب العالمي على حساب أموالنا واستهلاكنا لصناعاتهم الغذائية والدوائية والتقنية والثقيلة والخفيفة وبالمقابل يقل انتاجنا وتصديرنا الحربي/ نبض المجتمع
  • يا أستاذ محمد، ليتك أسهبت في شرح التسويق، والذي هو الدعاية والإعلان لما نريد أن نسوقه. عجوز
  • اعتقد أن بائعي المساويك و الزيوت هم افضل من يعرض نفسه؛يتواجدون في جميع المعارض مهما كان تخصصها. لماذا لا نستفيد من خبراتهم في العرض و الاقناع وتوظيفهم؟ حسن الغامدي
  • ومن يعتقد ان نكتفي بنعمة البترول فقط نقول بعد ان ينضب او يقل البترول ولو بعد مائه سنه ماذا تبقي للاجيال القادمه لا شئ مسمار
  • تسوق ماذا لا يوجد غير البترول ومشتقاته لا سياحه ولا مناخ استثماري للمستثمر الاجنبي .. اقرب جار لنا الامارات نجحت في كل شئ بتقديم وتسهيل الاستثمار او تسويق الدوله كلها من خطوطها الجويه الي اعادة تصدير ماتستوردة. مسمار
  • التسويق الذي تمارسه ماليزيا كمثال له وجهة نظر وجيهه وهو تقوية الإقتصاد بإعتبار السياحه أحد أكبر موارده وقس عليها عدة دول. أما نحن في السعوديه فقد من الله علينا بنعم لاتعد ولاتحصى ومنها البترول والغاز الطبيعي الذي يحتاجه العالم سواء سوقنا له أم لم نفعل. وبالنسبه للموقه الديني فالإهتمام واضح ولاينكر. أعتقد أن السعوديه لاتحتاج بشكل كبير إلى التسويق في ظل وجود الثوره الهائله وعائدات النفط ولكن الحاجه الملحه هي التنميه سواءا البشريه أو على مستوى البنيه التحتيه. مجرد ناقد
  • البيروقراطية المتجددة هي الداء الذي ليس له دواء الا البتر الجراحي ! دعشوش
  • الحمد لله على مارزقنا به الله عز وجل من ملك عادل ومن مكانة عالية بين الدول بالحرمين الشريفين وبالسياسة الحكيمة من مولاي خادم الحرمين الشريفين وأما بالتسويق فلا تنسى البترول والمعادن والحهد الذي تبذله وزارة البترول و الثروة المعدنية بجذب الاستثمار الاجنبي وهناك جهات اخرى تبذل جهودها ولك مني خالص التحية والتقدير المحقق

ارسل تعليق

أوافق على شروط وأحكام الوطن.

حالة الطقس  جرافيك الوطن Facebook Twitter الوطن ديجيتال