الدخول والأرشيف نسخة الجوال
 

صناعة المفكر

تلمح في حلق الشاشة شخصية مبعثرة الأفكار، موغلة في التنظير والكشف والاستعلاء، وتقرأ على صدرها كلمة "المفكر فلان الفلاني" فتشعر برعشة شديدة لسوء ظنك

تلمح في حلق الشاشة شخصية مبعثرة الأفكار، موغلة في التنظير والكشف والاستعلاء، وتقرأ على صدرها كلمة "المفكر فلان الفلاني" فتشعر برعشة شديدة لسوء ظنك، وتبدأ حدة الاشتعال والرغبة لديك لملاحقة واستيعاب ما يلفظه ذلك العقل، وما يمسك به من طاقة معرفية وإدراكية، وما يصوغه من خطاب يتكشف لك أخيراً عن ركود عقلي واهم، ومحفوظات متشبثة بالعقم والسطحية وانقطاع عن الفهم والتشخيص، فمن أين جاءت كلمة "مفكر"؟ التي منحت له دون وجه حق ومن الذي منحه؟ وما هي المعايير والمنهج التفكيري والاستنارة والدرس والتحليل لديه؟ وماذا يملك من حيوية في الإبداع واستيلاد الأفكار والمعالجة ومفاعيل التحولات في الخطاب الثقافي، وفتح حقول تجديدية ومبتكرة يشتغل عليها، حيث يسهم في "صنع الحدث بحدثية أفكاره ويعمل على إنتاج الأفكار وابتكار المفاهيم" بعيداً عن الشعارات و"خداع الأفكار الكبرى" كما يقول علي حرب.
طرحت مجلة "الإسلام اليوم" سؤالاً ضاغطا وجارحاً حول غياب "صناعة المفكر" في العالم العربي والإسلامي ولماذا نفتقد المفكرين الذين يعتد بهم ولهم تأثيرهم على مستوى العالم؟ هل هي البيئة الطاردة؟ وغياب المجالات العلمية التطبيقية، الإحساس بالدونية وتفوق الآخرين، والاستسلام لهذا التصور، يقول الدكتور عبدالله الصبيح: "إن العالم الإسلامي بخلاف "مالك بن نبي" لم يقدم أي مفكر يمكن القول بأنه عالمي ومؤثر. مؤكداً أن المشروع الفكري الذي قدمه ابن نبي سيظل دوماً من المشاريع الفكرية الهامة في العالم، على الرغم من أن هذا المشروع هو إسلامي بحت. وقال الصبيح: إن الحراك الثقافي الفاعل والتنوع الصارخ في الآراء ووجود كم كبير من التنظير للاتجاهات المختلفة المتنافسة على إبراز طروحاتها وأفكارها مهم جداً لظهور مفكرين ومشروعات فكرية".
ويقول الدكتور صالح الخثلان: "إن العالم العربي والإسلامي يخلو من المفكر الذي يشتغل بالأسئلة الكبرى ويحاول أن يجد لها الإجابات المنطقية والمقبولة، وأعتبر أن معظم الذين يقدمون أنفسهم كمفكرين هم إما مثقفون عاديون أو أقل من ذلك، وبالتالي فمن الطبيعي أن تصدر التقارير العالمية خالية من أسماء مفكرين عرب يمكن أن يساهموا في تطور البشرية، يجب أن نعترف بأننا نعاني نقصاً حاداً في حضور المفكر المرموق صاحب المشروع الفكري العالمي".
لقد استعنت بآراء الصبيح والخثلان لتعاضد ما طرحته في بداية الموضوع حول غياب المفكر العربي والإسلامي، ولماذا لا يكون هذا التساؤل محوراً ومشروعاً تنهض به المؤسسات الثقافية والجامعات ومراكز البحث كواحد من معالجاتنا الفكرية، ومجهوداتنا التأملية، وممارساتنا الفاعلة، وطرائق تفكيرنا المثمر.
إن التراث العربي والإسلامي قديماً يشهد لنا بالعبقرية والعراقة والتغالب مع الحضارات الكونية، وتعاظم المجد العلمي والنهضة العلمية.

أحمد عسيري        2011-12-10 12:01 AM
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي صحيفة الوطن وإنما تعبر عن رأي كاتبها

تعليقات         عرض  |   إخفاء 6 عدد التعليقات :

فرز حسب: الأحدث | الأقدم
  • ولأن المياه ليست ساكنة بل في حركة دائمة فلا داعي لأجهزة الاستقبال والارسال لتواجد ظاهرة المد والجزر لتك الافكار النيرة مد وجزر
  • الوعي بالاختلاف الديني والمذهبي والقومي والعشائري، والتعامل معه بوصفه واقعاً لا يمكن القفز عليه أو التقليل من شأنه، وإنما ينبغي التعامل معه، ضمن القواسم المشتركة - وهي كثيرة ومصيرية - ومحاولة تخفيف التعصب في الفكر أو السلوك، بحيث يتضاءل على المدى البعيد، مع تعميق الجانب الإنساني عند الفرد والجماعة. حاصل بن ماضي
  • السلام عليكم...ذكرتني بالشاب الصغير الذي تستضيفه أحدى القنوات(العربية) وتضفي عليه لقب خبير في شئون الحركات الإسلامية. حمد بن ابراهيم الربيعه
  • لست مع الكاتب في عدم وجود المفكرين،ولكن هناك اعراضا متعمد عنهم ، لانهم يعتبرون الفئة التي تحرك الماء الساكن، وتحريك الماء الساكن هو الشذوذ عن المالوف وهو امر مستنكر اجتماعيا في هذا البد. وانا اقرا الصحف المحلية ويمكن ان اذكر لكم اكثر من عشرين كاتبا محليا تتميز كتاباتهم بالتنوير والفكر المثير للحراك . ولكن الاستقبال لهذه الافكار ردئ جدا وسلبي جدا. aziz salamah aziz salamah
  • هل نسيت اخي احمد المفكر / عبدالوهاب المسيري رحمه الله ابو نجلاء
  • تكملة. و تدربت قبل التخرج لدى مكتب مهندس انجليزي شهير كان أستاذا للهندسة المدنية و الإنشائية بجامعة شيفيلد من الناحية الأكاديمية و يحمل كما هائلا من الألقاب و الرتب الأكاديمية و المهنية و وصل إلى درجة رئيس هيئة المهندسين الإنشائيين ببريطانيا قبل أن يصل سن الستين. كان بالغ التواضع لا تميزه بين موظفيه. و تدربت بعدها على يد مهندس عربي عادي، و المهندس السعودي نادر آنذاك، بمدينة الخبر عام 1393هـ و كان متمظهرا متعجرفا. و آلمني أن أقارن بين الحالين. المهندس محمد بن أحمد الشنقيطي

ارسل تعليق

أوافق على شروط وأحكام الوطن.

حالة الطقس  جرافيك الوطن Facebook Twitter الوطن ديجيتال