الدخول والأرشيف نسخة الجوال
 

عيناك عيناها وجيدك جيدها!

نتمنى أن يعرف المهتمون ماذا جرى بالفعل وأن ينتقل المشروع من "نموذج" بحثي إلى مشروع صناعي يتبناه تحالف مالي وصناعي وعلمي كبير يستطيع أن يترجمه إلى واقع

عنوان هذا المقال صدر بيت من شعر الغزل العذري لقيس بن الملوح وعجزه: "ولكنّ عظم الساق منك دقيق" .. قفز هذا البيت من وكر الذاكرة إلى روضة الحاضر وأنا أتابع "الغزل العذري" في جمال السيارة التي أنتجها فريق كلية الهندسة في جامعة الملك سعود.. ولا أدري ما الرابط الذي حرك الذاكرة ونشطها – وهي الكسول المراوغة – لتستدعي هذا البيت؟ .. هل هو الرابط "اللفظي" بين غزال ابن الملوح و"غزال1" جامعة الملك سعود أم الرابط المعنوي بين دقة ساق غزال قيس ورقة "كفرات" غزال الجامعة؟ .. ولماذا نفترض أن "قوائم" غزال الجامعة رقيقة وهي لم تركض بعد في ميدان السباق الاقتصادي؟ هل لأنها نبتت في معمل جامعي قليل الخبرة بمتطلبات صناعة السيارات ولم تنشأ في مصنع تغذية سواعد عمال فنيين وخطوط إنتاج من اللدائن والزجاج والإلكترونيات وتحميه خطط تسويقية درست الأسواق وعرفت مداخلها وتعرفت على رغبة مستهلكيها؟.أم أن الرابط نفسي يتعلق بنا نحن المتابعين؟ فهيام ابن الملوح بـ"ليلاه" جعله يتصور حورها في عيني الغزال ويستحضر قامتها في جيدها وتتبدى له رشاقتها في خفة حركتها وانطلاقها لكن ذلك كله لم يفوت عليه إدراك الفرق بين ساق ليلى "الريانة" وقوائم الغزال "الدقيقة".. ونحن هيامنا بالتكنولوجيا وتشوقنا لركوب قطار الصناعة المتسارع ولهفتنا لدخولنا سوق "اقتصاد المعرفة" جعلنا نرى في "غزال 1" صورة أحلامنا ومشروع تقدمنا وآمال طموحنا. لكن هل هذه "اللهفة" والشوق والطموح تشغلنا عن ملاحظة الفرق بين "متانة" خطوط إنتاج السيارات فئ "أوكارها" الصناعية وبين المولود "الغزال1" الذي جاء ملفوفا في "كافولة" كلية الهندسة دون أن نوفر له أسباب النمو والتربية السليمة؟.. وهل سنكون مثل ابن الملوح ليس له من "ليلى" إلا الخيالات والآمال والأحلام وحرق الأعصاب وأحلام اليقظة أم أن "غزالنا" سيكون حقيقة أفضل حالاً من "غزلان" العذريين التي يهيمون خلفها في كثبان الرمال والسهول والأودية؟.
أعترف – قبل أن يرفع أحدكم إصبعه- أن هذه المقدمة ليس لها علاقة بصناعة السيارات وليس لها حظ من "العلمية" وقد تكون موضع استغراب من بعضكم إن لم تكن محل استهجانهم كما قد يرى فيها آخرون عدم حصافة أو انعدام كياسة أو نقص ذكاء اجتماعي لأنها "تعاكس" التيار العام وتخالف "جمهور" الكتاب الذين أبحروا في نهر الفرح معتبرين "غزال 1" مرحلة جديدة ومنعطفاً تاريخياً في نهضة البلاد وصورة متقدمة في خارطة التنمية. لن أدخل في "موازنة" بين رأي من يقول إن غزال جامعة الملك سعود خطوة جديرة بالتقدير والاحتفاء والرعاية وبين رأي من يرى أنها خطوة لها أهميتها، وأن الترحيب بها لا ينبغي أن يشغلنا عما "بعدها" - وهو الأهم- وأن الاحتفاء مهما كانت إيجابياته –ليس سبباً موضوعياً يحول دون "فحص" المنتج وتقدير عائداته على الوطن.
والمعلومات المتوفرة عن الجهود التي تقف خلف إنتاج "غزال1" تشير إلى أن السيارة هي ثمرة برنامج التوأمة بين جامعة الملك سعود وجامعة قراز في النمسا إلى جانب شركة ماجنا شتاير الإيطالية باعتبارها "بيت خبرة" في صناعة السيارات وأن المشروع اشترك فيه خمسة وخمسون طالبا من كلية الهندسة مع بعض أعضاء هيئة التدريس وخبراء وعلماء في هذا القطاع. وأن "مركز التصنيع المتقدم" في الجامعة تمكن من تصنيع 60% من السيارة واستعان بإمكانيات مصانع وطنية لتصنيع الباقي 40%. وأن الفريق الطلابي المشارك أرسل للتدريب في شركة ماجنا شتاير بهدف ترسيخ معرفته وتطوير مهاراته. (وهي خطوة نحيي عليها جامعة الملك سعود إذ ارتقت ببرنامج تدريب الطلاب من المستوى النظري الهش الذي لم يكن يتجاوز إرسال الطلاب إلى بعض الشركات الوطنية في فترة الصيف لينعموا بإجازة مدفوعة الأجر يشربون خلالها كميات من الشاي والقهوة وعصير البرتقال ويشاهدون قدرا معتبرا من الأفلام قبل أن يعودوا إلى الجامعات لاستلام وثائق التخرج مصطحبين خطابات تؤكد أنهم تلقوا "التدريب العملي!").
وأكاد استشعر حرج الذين تناولوا المشروع بالنقد وتساءلوا عن مدى ملائمة البيئة السعودية لهذا النوع من النشاط الصناعي. وهو حرج مبعثه - في ظني- حب هذا الوطن والخوف من الاتهام بالتشاؤم وقتل الأمل في النفوس وتغليب النظرة السلبية للأشياء واستمرار عادة جلد الذات وعدم الثقة فيها. وأرى أن هذا الحرج نفسه هو الذي يدفع لمناقشة المشروع بقدر ما يمكن من موضوعية تسعى لاستجلاء الأمر والتفكير في جدواه ومدى ملائمة الجامعة لمعالجة مثل هذه القضايا.. نعم الاحتفاء بالمشروع وتقدير القائمين عليه والإشادة بالعقول والسواعد الوطنية التي أنتجته كله سار مفرح ويدعو إلى الإعجاب والفخر ولا يختلف المنصفون على تأثيره الإيجابي – معنوياً على الأقل – لكن هذا الإعجاب لا يحول دون التساؤل: هل في تكنولوجيا السيارات شيء ما يزال مجهولاً تنفق على أبحاثه الأموال؟.. وهل "استخدام" تكنولوجيا السيارات موضوع ينشغل به البحث العلمي في الجامعات أم أن مكانه الطبيعي مصانع يقودها صناعيون؟.. وهل في "غزال 1" تكنولوجيا جديدة لم تعرفها مصانع السيارات في الشرق و الغرب؟.. أم أنها كانت مشروع "تدريب" لعقول سعودية على نقل التكنولوجيا؟.. وهو الأمر المحمود الذي يستحق كل التأييد والترحيب؟ . وهل سبقت إنتاج السيارة دراسة جدوى توضح ما هي العناصر المهمة لهذه الصناعة؟ .. وهل لدينا – نحن في المملكة – مقومات هذه الصناعة؟. وهل هذه الدراسة – إذا كانت موجودة – تجيب على عشرات الأسئلة من نوع: هل تقترح الدراسة أن يدخل رأس المال الوطني هذه الصناعة مع الشراكة الأجنبية ذات الخبرة لتساعده على توفير التقنية وفتح الأسواق أم يدخلها منفردا؟ وما هي الأسواق المستهدفة؟ وأي شرائح المستهلكين أجدى لصناعة السيارات السعودية؟ وهل طبيعة السوق السعودي المفتوح مع ميل المستهلكين إلى نزعة امتلاك الجديد ستساعد هذه الصناعة الوليدة على النمو والتطور؟.
نتمنى أن يعرف المهتمون ماذا جرى بالفعل وأن ينتقل المشروع من "نموذج" بحثي إلى مشروع صناعي يتبناه تحالف مالي وصناعي وعلمي كبير يستطيع أن يترجمه إلى واقع. أخيرا نشير إلى أن أهل الاختصاص يقولون إن العنصر البشري المدرب هو "عماد" هذه الصناعة، فأين هو هذا العنصر؟ وماذا أعددنا لتكوينه؟

محمد المختار الفال        2010-06-27 2:13 AM
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي صحيفة الوطن وإنما تعبر عن رأي كاتبها

تعليقات         عرض  |   إخفاء 3 عدد التعليقات :

فرز حسب: الأحدث | الأقدم
  • اذا الامر صحيح وليس لاغراض دعائية من اجل التقويم ففالمطلوب ما يلي أو على الاقل نضيفه :تقوم المالية بدعم ورعاية السيارة وتفرضها على الجهات الرسمية .الخوف تذوب الفكرة بعد نيل نقاط التصنيف بين الجامعات. دعشوش
  • طبعا آمال ايه !! طبّ أعمل ايه ؟ قارىء
  • انا لم اشاهد السيارة ولكن لماذا لاتتقدم احدى الجهات بطلب (استصناع) لسيارة تلائم احتياجاتها و ليس احتياجات الراكب مثل الجهات الخدمية. دوريات الامن ,موزعي البريد.ان مثل هذا المشروع سيفتح الباب لمشروعات اخرى. الغامدي

ارسل تعليق

أوافق على شروط وأحكام الوطن.

حالة الطقس  جرافيك الوطن Facebook Twitter الوطن ديجيتال