الدخول والأرشيف نسخة الجوال
 
آخر تحديث: الأربعاء 20 يونيو 2018, 3:29 ص

نقاشات


التعصب الرياضي تعدى حدود العقل


عدنان هوساوي 2018-03-15 12:38 AM     

أتفهم وإلى حد كبير معظم دواعي حالات التوتر والقلق، والاضطرابات الممزوجة بالانفعالات المسيطرة على حواس المشجع المحلي المتيم بحب فريقه وعشق ناديه، أتفهم وأعي ذلك جيدا، كون الرياضة التي تسعى للمنافسة بهدف الحصول على مراتب متقدمة في الجولات التنافسية تستحق بعضا من القلق والتشنج المتزن، فعامل التمايز مطلب تقتضيه روح المواجهة، ولولاه لبقي التنافس ضعيفًا ومملا ما لم تواكبه تلك الحماسة المشحونة بالاجتهاد والتحدي.
كما أتفهم أيضا ومن خلال الميول الرياضي بروز المواقف العفوية أو غير العفوية التي تنتاب مشاعر الشاب فور الفوز وحال الهزيمة، كتفهمي لاستماتة الجمهور حيال برهنة أهلية استحقاق الغلبة أو تبرير نزول فاجعة الخسارة، فالزمن الوجيز الذي تدار فيه حلقات النقاش عن المستطيل الأخضر، لا مجال للحديث فيه إلا عن كرة القدم، وإن احتدت لغة الحوار وارتفعت الأصوات الراغبة في فرض وجهات النظر بين طرفي نقيض من مشجعي فريقين متنافسين على المستديرة، أتفهم كل ذلك.
لكني حقيقة لا أستطيع حتى هذه اللحظة على الأقل تفهم حالات العداء التي يحملها البعض تجاه الآخر، ولست أجد مسوغا يبرر لنزعة التعصب التي تقود إلى الكراهية، فقط لأن هذا الآخر لا يزال يجدد ولاءه الكروي للند التقليدي، ومغرم بناد آخر منافس، وأجدني أعجز حقيقة عن استيعاب أحجية صياغة تلك الكراهية بصورها وسياقاتها المبتكرة. فالألفاظ البذيئة ومظاهر التشجيع السلبية، والهتافات الخارجة عن الذوق العام، والإيحاءات غير الأخلاقية المدفوعة بأفعال خارجة عن أدبيات الرياضة، أحدثت وما زالت تحدث نوعا من الخصومات العدائية، التي سرعان ما تحولت إلى صراعات أزلية لم تعهد في بدايات الوسط الرياضي، وإن مما ساعد على تغذية هذا التعصب وجود منصات التواصل الاجتماعي ومنابر الإعلام الجديد، ومن المؤسف في هذا الإطار أن نجد بعضا من الإعلاميين وقد انجرفوا مع هذا التيار المتلاطم بحره، فاشعلوا عبر تحليلاتهم الفنية فتيل النزاعات والخلافات، خلال التعاطي مع التصريحات الميدانية غير الموفقة في أوقات كثيرة، مع أن جراح الهزيمة قد تندمل بمرور الوقت، لكن تبقى الحالة النفسية للمشجع الرياضي المتعصب لنادية مهيمنة للأسف الشديد على سلوكه، ومسيطرة على تصرفاته داخل وخارج الملعب، نتيجة تلك التصريحات المطلقة على عواهنها، فيصعب التغلب على تلك السلوكيات في أحايين كثيرة. إن كرة القدم أو ما تعارف على تسميتها اصطلاحا بمعشوقة الجماهير - وهو الوصف الذي يحلو لعشاقها نعتها به - تعد من أكثر الرياضات شعبية على الإطلاق، تشاهد وتمارس من قبل الملايين عبر العالم، لإسباغ نوع من المتعة والمرح في ظل تمكين احترام رغبات الآخر، بعيدا عن التعصب الذي يعكر صفوها ويشوه من جمالها. فهي وإن كانت جديرة بالوجد والغرام حينا، واقتطعت جانبا من الحب والعشق حينا آخر، غير أنه حري بها ألا تعزز الفرقة والخصوم، بل تمضي لتأليف وجمع الشتات، إن تلك الآثار الفاسدة التي انعكست على تصرفات المجتمع ماهي إلا ترسبات نشأت نتيجة المفاهيم المغلوطة عن الرياضة وعن المعنى الحقيقي للتنافس الشريف، الذي أدى بالتالي إلى الانحدار الكبير في السلوك الرياضي والذي بتنا نشاهده كل يوم، حتى أمسى هذا السلوك سلوكا جماعيا يمارس بصورة جماهيرية لا تطاق، فلا يمكن وصفه بالدور الأحادي أو التصرف الفردي، فالسلوكيات الشائعة والتصرفات التي تمارس من قبل الجماعات لا يمكن أن تنسب للأفراد أو تلصق بالصدفة والعفوية، فالصدف والحالات الاستثنائية الفردية لا يمكن أن تتواتر، كما أن المواقف العرضية والعفوية لا تتكرر بتاتا، وهو ما نجده ماثلا ومتعينا في تعاقب الحالات وتعدد الأمثلة، أسوق هنا بعضا من تلك النماذج التي بثت عبر وسائل التواصل الاجتماعي على سبيل المثال لا الحصر.
فذاك رجل تأبط ملابس الإحرام يناجي ربه بين جنبات الكعبة كي يفوز فريق أجنبي على فريق آخر محلي فقط لأن ميوله لا تتوافق مع هذا الفريق المحلي، وآخر ينادي بحرقة إلى إشعال النار في شعار ناد محلي، بذريعة أن لون شعار هذا النادي مشابه للون علم دولة الاحتلال الصهيوني، وآخر يطأ شعار ناد منافس لناديه، بصورة مهينة لا يمكن أن تعبر إلا عن حقد دفين، هناك الكثير والكثير جدا من الأمثلة والنماذج التي أحدثت شرخا في جدار عالم كرة القدم ولا تزال، والحديث هنا ليس عن تلك التعليقات البريئة المضحكة بغرض التندر والفكاهة، وإن خالطها بعض المزاح الثقيل، شريطة ألا تتعدى حدود المعقول، بل الحديث على الطقطقة التي لامست جوهر الأخلاق.

Instagram
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي صحيفة الوطن وإنما تعبر عن رأي كاتبها

تعليقات           |   0 عدد التعليقات :

ارسل تعليق

أوافق على شروط وأحكام الوطن.

 جرافيك الوطن Instagram Facebook Twitter الوطن ديجيتال