الدخول والأرشيف نسخة الجوال
 
آخر تحديث: الأربعاء 19 سبتمبر 2018, 0:42 ص

نقاشات


غيابه صعب ورحيله مر


2018-06-19 4:05 AM     

محمد الحسون

يخالجني شعور بعد رحيل ابن أخي الأقرب، بل أخي في واقع الأمر، إنني أكبر من خسره وأعظم من فقده، ذلك لأنني أكثر من صحبه، فمنذ أن عرفت الأشياء من حولي في هذه الدنيا عرفت حسون وبدأت أمارس طقوس طفولتي مع حسون، فأنام في فراش واحد مع حسون، وأصحو مع حسون، حتى امتزجت بي حروف اسمه تماما كما امتزج حبه وكل صفة فيه بصفاتي، ولا أذكر أننا اختلفنا طيلة العقود التي قضيناها معا، وهذا ديدنه معي ومع غيري، لقد أنشأنا مصطلحات وعبارات وكلمات خاصة وهي أشبه ما تكون بشفرات فيما بيننا لا أستخدمها إلا معه ولا يستخدمها إلا معي، لذا آثرت أن أواريها في قبره فلم تعد لها حاجة أو قيمة لأنني عندما ألقيها عبثا بين أبنائي حينا فإنها تحتاج إلى إسهاب يطول شرحه. كان آخر تراسل بيننا عن طريق الواتس قبل ثلاثة أيام من وفاته، وكأنه يريد مني أن أستعيد شريط الذكريات، فقد بعث لي صورا لبسكويت كنّا نشتريه، ويتبعها بأسئلة: هل تذكر هذا؟ وهل تذكر من وين نشتريه؟
أما الاتصال فقد تواصل معي قبل وفاته بأربع وعشرين ساعة تواصل معي مسلما كعادته وظن أنني في أبها، وعندما علم أنني في الرياض أصر علي بالمرور عليه وياليتني فعلت، فلم يكن بعلمي أنه لم يبق من عمره إلا ساعات معدودة فسامح الله أشغال الدنيا الباهتة التي حالت دوني ودون لقائه ووداعه.
إن من أهم صفاته حبه للوصل والاجتماع وكرهه للخلاف والجدال، ناهيك عن صدقه وكرمه وخدمته وحبه لعمل الخير، وليست هذه والله صفات ألقيها جزافا بل واقعا كان عليه الفقيد، يشهد بذلك دون تردد من يعرف حسون، ذهب طيب القلب خفيف الذنب، لقد تعلمت منه الكثير فاستقيت منه طفولتي، ولا زلت حتى وهو في قبره بعد الممات أنهل من دروسه ومواقفه.
حسون كما كان يحمل اسم العائلة كان يحمل همها وكأنما كتب عليه بعد تسميته بها أن يأخذها بشموليتها معنى ومبنى، فهو الحريص على لمّ شملها كما لمّ حروفها وهو الذي لم يتردد في حضوره الفاعل في كل اجتماعاتها ومتطلباتها، كان خير معين لأفرادها كان الخلوق البشوش المتسامح المصلح.
نعم رحل فغيابه صعب ورحيله مر لكنه ترك وراءه كل شيء جميل، ترك لنا كنوزا شتى بدءا من سيرته العطرة المليئة باللطائف والدروس، مرورا بأبنائه الأربعة الذين هم على قدر من النبل والأخلاق، وبناته الثلاث اللاتي لا يملك اللسان حديثا في حرم جمال أخلاقهن وطيب نفوسهن، وأخيرا تحية إجلال وإكبار لأم صالح شريكة عمره التي سعت معه منذ أن كتب الله الشراكة قبل سبع وثلاثين سنة في الوقوف إلى جانبه وتربية أبنائه وبناته ونعم التربية ونعم المربية، التي كان يردد رحمه الله على مسمعي كثيرا عندما يرد ذكرها (أم صالح أو كما كان يحلو له ذكر اسمها على لسانه والله إن مزنة أجودية) حتى طغت الصفة على الموصوف
(إن العين لتدمع وإن القلب ليحزن وإنا على فراقك يا حسون لمحزونون).

Instagram
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي صحيفة الوطن وإنما تعبر عن رأي كاتبها

تعليقات           |   0 عدد التعليقات :

ارسل تعليق

أوافق على شروط وأحكام الوطن.