نجحت المحكمة العليا في أول اختبار لها في ما يخص إثبات دخول الأشهر القمرية بطريقة علمية صحيحة. وتمثل هذا النجاح في إدخال شهر رمضان المبارك بطريقة اعتمدت فيها تفعيل "لائحة تحري رؤية هلال أوائل الشهور القمرية" الصادرة بقرار مجلس الوزراء رقم 143 وتاريخ 22 / 8 / 1418هـ، وهي التي لم تفعَّل من قبل. ويوجب هذا النجاح تهنئة المحكمة، ممثلة برئيسها وأعضائها ـ على هذا الإنجاز غير المسبوق الذي طالما تطلع إليه المسلمون. وكانت بداية التغيرات الجديدة في العمل بهذا الخصوص قد بدأت معالمها منذ أن أصدرت المحكمة بيانها الذي طلبت فيه ترائي هلال شعبان. إذ طلبت ترائيه ـ ولأول مرة ـ عن طريق المناظير الفلكية، إلى جانب العين المجردة. وكررت ذلك في إعلانها عن طلب ترائي هلال رمضان. وهو البيان الذي تطور عن سابقيْه من حيث اللغة، وبإشارته إلى التكليف الملكي السامي بهذه المهمة، وبالإشارة إلى قرار مجلس الوزراء الذي كان من بنوده استخدام المقربات الفلكية لرصد الهلال. وهي بهذا العمل تزيل من أذهان الناس لبسا راسخا مقتضاه أن الرؤية بالعين المجردة هي الوسيلة الوحيدة لصحة الرؤية. كما طلبت من المترائين بالعين المجردة الانضمام إلى اللجان العلمية والشرعية المكلفة بالترائي. وكانت هذه المشكلة عائقا أمام تلك اللجان؛ ذلك أن بعض "المترائين" يعملون بمعزل عنها ثم يشهدون برؤيتهم الهلال ويوقعون المجلس الأعلى للقضاء في مأزق يتمثل في تعارض هذه الرؤية المتعجلة الواهمة مع شهادات اللجان العلمية والشرعية بعدم رؤية الهلال. وكان هذا هو السبب الرئيس في إدخال الشهر وإخراجه على الرغم من عدم وجود الهلال. ذلك أن المجلس الأعلى للقضاء كان يُعمل القاعدة الأصولية التي تقول بـ"أن المثبِت مقدم على النافي". ويعني هذا قبول شهادة هؤلاء الشهود المثبِتين وصرف النظر عن التقارير العلمية النافية للرؤية. وكان من ثمار انضمام "المترائين المشهورين" بالرؤية إلى هذه اللجان أن أحدا منهم لم يجرؤ على الشهادة برؤية الهلال في حضور عدد من المتخصصين المزودين بمراصد بالغة الدقة. وكان أبرز هؤلاء برفقة لجنة ترصد في المكان الذي يرصد منه، ولم يشهد مساء الخميس أنه رآه. ويشاع أن بعض "المترائين" الذين لم ينضموا إلى اللجان "شهدوا" بأنهم رأوا الهلال مساء الخميس! لكن المحكمة العليا كانت عند الأمل بها فلم تقبل "شهادتهم". والأمل أن تستمر المحكمة الموقرة على هذه الدرجة العالية من المهنية الفقهية التي جنبتنا الاضطراب والنزاع المعهودين في مثل هذه المناسبات. ومما يبشر بخير أن عدم إدخال شهر رمضان المبارك ليلة الجمعة والإعلان عن أن يوم السبت هو الأول من شهر رمضان كان متوافقا مع ما حدث في أكثر الدول الإسلامية. وهذا إنجاز يجب أن يشار إليه. ذلك أن للمملكة مكانة لا تدانى عند المسلمين، وهم يحبون أن يقتدوا بها ويعملوا بموجب القرار الذي تصدره. وكان كثير من المسلمين، سواء في بلادهم الأصلية، أو في بلاد المهجر، يتبعون المملكة في الصيام والفطر. وكانت تحدث مشكلات كثيرة بسبب أن القرار الصادر عن المملكة يختلف في كثير من الأحيان عما يصدر في تلك البلدان. ومن تلك المشكلات ما نعرفه جميعا من انشقاق كثير من الأُسر التي يصوم بعض أفرادها تبعا للمملكة وبعضهم يصوم تبعا لما يعلن في بلده. وكانت قرارات الصوم والفطر المبكرة في المملكة تتسبب في مشكلات للسعوديين أنفسهم: فبعض المنتمين إلى بعض المذاهب الإسلامية الأخرى لا يصومون ولا يفطرون تبعا لما تعلنه الدولة لأنهم يرون أن تلك الإعلانات تخالف الواقع الطبيعي للهلال (وهذا صحيح في كثير من الأحيان). كما كان ذلك يتسبب في مشكلات للسعوديين في الخارج؛ إذ يتعرضون للسخرية والأذى من بعض المسلمين. ومن ذلك ما رواه أحد الطلاب في إحدى المدن البريطانية لما وقع للسعوديين حين جاؤوا يوم عيد الفطر ليصلوا صلاة العيد في إحدى السنوات فاعترضتهم مجموعات من جنسيات إسلامية أخرى وأرادت منعهم من الصلاة، وحدث بينهم نزاع تطور إلى التشابك بالأيدي والتقاذف بالمصاحف، ولم تحجز بينهم إلا الشرطة المحلية! ومما يشهد بصواب قرار المحكمة العليا أن أحدا لم ير الهلال مساء الخميس في العالم الإسلامي كله ـ كما تبين ذلك التقارير التي نشرها "المشروع الإسلامي لرصد الأهلة". وهو ما يتماشى مع الحساب الفلكي الذي أعلنته المراكز العلمية العالمية بأن الهلال سيغرب قبل الشمس بدقائق، وهذا يعني أنه لن يكون هناك هلال ليرى. ويمثل هذا برهانا ساطعا على دقة الحسابات الفلكية العلمية. لذلك ينبغي على المتشككين في دقتها أن يتخلوا عن هذا التشكك. ومع الثناء المستحق على المحكمة العليا التي أنجزت هذا القرار الصائب على الرغم من حداثة تكوينها إلا أن هناك بعض الملحوظات التي ينبغي أن تتلافى في المرات القادمة. وأول الملحوظات أن المحكمة استشهدت في قرارها بقوله صلى الله عليه وسلم: "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فأكملوا العدة". ويوحي هذا الاستشهاد بأن هناك سببين لعدم ثبوت دخول شهر رمضان: الأول هو "عدم ثبوت هلال شهر رمضان هذه الليلة"، والثاني يمكن أن توحي به عبارة "فإن غم عليكم" في الحديث الشريف الذي استشهدت به المحكمة. إذ توحي بأن سبب عدم ثبوت رؤية الهلال هو وجود حائل من سحاب أو غيره منع من رؤيته. وهذا خلاف الواقع. والمشكل في تضمين هذه العبارة أن بعض المناوئين للاستئناس بالحساب الفلكي في نفي الرؤية ربما يزعمون أن الذي منع من دخول الشهر لم يكن كون الهلال غرب قبل الشمس بل هو وجود حائل حجبه عن المترائين، ولولا هذا الحاجب لرأوه. إن الدقة اللغوية مطلوبة في مثل هذا البيان. فهي وسيلة للوضوح، كما أنها وسيلة لتثقيف الناس بالأسباب الموجبة للقرار. وهناك ملحوظات أخرى أتركها لمقال آخر.
|