كان الوطن الحبيب خلال اليومين الماضية، على موعدين من الفرح: الأول خروج والدنا خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز – متعه الله بالصحة – من المستشفى.

استبشرت حينها الدولة عن بكرة أبيها، وفرحت بسلامة شيخنا الكبير. والثاني: حصول المنتخب السعودي للعلوم والهندسة على 22 جائزة، في مسابقةٍ علمية عالمية تُدعى «أيسف 2022»، شهدتها أحد المدن في الولايات المتحدة الأمريكية.

ويفترض قبل كل شيء إزجاء الشكر لمؤسسة الملك عبد العزيز ورجاله للموهبة والابداع «موهبة»، على الجهد المُضني الذي قامت به.


والشكر هنا ليس من باب المجاملة أو النفاق، إنما من منطلق تمثيلها الغطاء الرسمي لهذا الإنجاز العظيم، الذي تحقق على يد مجموعة من النشأ، ممن لم يُنهوا حتى الآن الصفوف الجامعية.

ويفتح هذا الإنجاز المجال للحديث عن رعاية الإنسان. وأتصور من باب إحقاق الحق، أن يجد المُبدعون الدعم الأكبر من الدولة دون غيرهم، ليس تفرقة إنما تحقيقًا لمبدأ العدالة.

فلا يمكن أن يستوي من يعلم، مع من لا يعلم. وحتى لا يتم فهمي بشكلٍ خاطئ، سأتوقف في مطالبتي هذه عند هذا الحد؛ حتى أصل لختام المقال، ربما يكون هناك مطالبة أكثر جدارة.

لا أنكر أنني أصبت بحالة من الفخر الكبير حين شاهدت مقاطع مصورة للشباب والفتيات السعوديين في حفل توزيع الجوائز، و شعرت أيضا بقشعريرة في البدن، نتيجة هذا المشهد. ولفتني الفرحة الجماعية التي عبر عنها الشباب والشابات بشكلٍ لا إرادي، وفهمت أن ذلك التعبير العفوي نابعٌ من تسيد النجاح الوطني على الفردي، وهذا يعني أن الأرضية خصبة لزرع مفهوم الوطنية في الذهنية الخاصة بهذه المرحلة العمرية، ليس من باب قيادته، بل على أساس منحه حق الممارسة والتفكير والاجتهاد، والابتعاد بالجيل الحالي في الأسلوب المنهجي والتربوي والتعليمي، بل وحتى السياسي والاجتماعي؛ عن التجربة الخاصة بالأجيال السابقة ضرورة مُلحّة وليست خيارا، وفي ذلك الجانب كثير من الأمثلة الطاردة التي تمخضت عنها عملية تفريغ العقول من مضمونها وتنحيتها عن التفكير، ما أنتج جاهزيتها للانقياد وراء شعارات رنانة، مهد العديد منها إلى الموت، وهذا ما دُفع ثمنه الوطن، على الصعيد الداخلي، وحتى الخارجي، إذ تشكلت صورة ضبابية مُعتمة حول بلادنا ومجتمعنا على حدٍ سواء. وهذا دون أدنى تردد يُمكن إرجاعه لسيطرة التيار الديني في تلك الفترة الزمنية.

إذن فالعمل على تحسين الصورة أصبح ضرورةً وطنيةً قصوى، ستستفيد منها دون أدنى شك الأجيال المقبلة، والدولة، والمجتمع.

وفي جانبٍ مقارب، أجد أن الإمكانية متاحة لتوظيف التميز الذي حصده مجموعة من أبناء الوطن، ضمن أدوارٍ سياسية واجتماعية وثقافية تعكس الصورة الحقيقية للمملكة، تأخذ في حسبناها إيضاح مراهنة الدولة على الإنسان السعودي لا سيما الجيل الصاعد، وهو الأمر الذي جسده ولي العهد وبعث من خلاله رسالةً للخارج قبل الداخل، حين قال «أنا أعيش بين شعب عظيم، يمتلك همة كأنها جبل طويق؛ وهمتهم لن تنكسر إلا إذا انكسر هذا الجبل وتساوى بالأرض».

وفي ذلك تأكيد على جدية المشروع السياسي الذي أعلن عنه الأمير محمد بن سلمان، ويقتضي بالضرورة قلب صفحاتٍ ماضية، والبدء في كتابة تاريخ جديد للوطن، دون تجاهل الجانب المشرّف من ماضيه.

ففكرة ولي العهد التي تمثلت في صورة ورؤية تحديث الدولة بشكلها وإنسانها؛ وراعت أدق تفاصيل الحياة، لاقت تأييدًا شعبيًا مُنقطع النظير؛ ليس لأنها تسعى للتخلص من حقبةٍ تاريخية عسيرة، أو أنها تسعى للقيام على الماضي، بل كونها خطة حياة طبيعية في مضمونها، وعناصرها، تنظر للأمام دون الرجوع إلى الخلف.

ومن هذا المنطلق يمكن فهم أننا أمام مشروع وطني كبير، ركيزته النهوض بالبلاد ككيان كبير عبر الانسان المتطلع للمستقبل، دون القيام على الأحقاد ولعنة تصفية الحسابات.

إن ما يجب على الجهات الرسمية بما فيها العليا، النظر إلى تكريم هؤلاء الأبطال المتميزون بأحد أوسمة الدولة العليا، كعامل دعم لهم سيحفز دون شك غيرهم من المبدعين.

ولا يقف الأمر عند هذا الحد، بل يصل إلى ضرورة رعاية ما تبقى من تعليمهم؛ من النواحي المادية والمعنوية. وأيضًا فالدور المُلقى على عاتق الإعلام الرسمي والخاص ليس بقليل، فمن حق هؤلاء الناجحون الفخر بأنفسهم، بعد الاعتزاز بدولتهم عبر حصولهم على الأضواء التي تتناسب مع إنجازهم المشرف.

أنا على يقينٍ مطلق بأن هذا المشهد المُبهج ليس إلا جزء يسير مما يكتنزه هذا الوطن الغالي من قدرات أبناءه الأوفياء المخلصون، والذين يشكلون نورا للحاضر وشعلةً للمرحلة المقبلة، ليصبحوا دون أدنى شك صناع التاريخ السعودي الحديث، الذي سيضع بلادهم في العتبات الأولى على السلّم العالمي.

فهذا هو الجيل الذي يُراهن عليه ولي العهد، وسيكسب الرهان، ولا خيار غير ذلك.

وفي المشهد، كثير من الشموخ.. والعزة.

نهاركم فرحة وطن، وقشعريرة بدن..

تعظيم سلام.