al - watan

بالحوكمة والمساءلة ينحسر الفساد

كيف يهنأ أولئك وهم يستحلون خيرات الوطن وممتلكاته وأمواله لهم حكراً خاصاً دون غيرهم من المواطنين؟!

عبلة مرشد2017-11-10 10:56 PM     

تزدهر الأوطان وتتقدم بأيدي مواطنيها الذين احتوتهم وحضنتهم منذ ولادتهم ونعومة أظافرهم حتى اشتد عودهم، وإلى مماتهم على أرضها، ليكونوا ضمن الثرى الذي يشكل أرضها والتربة التي تحتضن رفاتهم، فالوطن هو الأرضية المشتركة والوعاء الطبيعي الذي يجمع مواطنيه بين جنباته، والشجرة التي تظلهم بأغصانها الوارفة لتحميهم، وبجذورها المتينة تقويهم وتثبتهم، لتكفل لهم مختلف سبل الرعاية والأمان والتمكين، يجمعهم الوطن كأفراد ويصهرهم الدهر كشعب متجانس يعكس هوية الوطن وتطلعاته وآماله وطموحه، فمن خلالهم تتحقق الأهداف والرؤى، وبهم تتحول الأحلام إلى حقائق ملموسة وواقع جميل نعيشه نحن وأبناؤنا، فهم لَبنات الوطن وحجارته المتينة التي تُبنى بها قاعدته وأعمدته، وعليهم يستند في نمائه ورخائه وبهم يواجه أزماته، هم عضده وعزوته، هم رموزه التي يعتز بها ويفتخر بمنجزاته، من خلالهم ينهض وعلى أكتافهم وسواعدهم يزدهر.
من هذا المنطلق اشتق اسم المواطن من الوطن لأنه جزء منه، فهو صورته البشرية وظله الحضاري ومرآته المتحركة التي تترجم مقدراته إلى منجزات وموارده إلى منتجات وثمار، يحصدها مواطنوه قبل غيرهم، فينعمون بما حباهم به الله من خيرات متنوعة ورزق كتبه الله لهم، فيرضون بما أُعطوا ويسعَون للمزيد بما يبذلونه من جهود وبما يبادرون به من ابتكارات وإبداعات تضيف الكثير إلى خيرات الوطن ومنجزاته ومكانته بين الأوطان، وبذلك ينعمون هم وأبناؤهم وأحفادهم والجيل القادم بحصاده، ويجنون نماءه وازدهاره ويقطفون خيرا، هم وضعوا لبناته وغرسوا حجره الأساس وقاعدته المتينة.
وبالمقابل فإن هذا المواطِن مُدان بعد أن نبت وترعرع على أرض الوطن، شرب من مائه وأكل من خيره، وتمكّن من مقدراته وتقلّد مناصبه، وقاد مؤسساته بعد ثقة وطنية مُنحت له وتقدير ومسؤوليات تشرف بها، بما يتضمنها من صلاحيات متاحة وإمكانيات ميسرة، تمكنه من استثمارها وتسخيرها للخير العام والمنفعة الوطنية الشاملة لينعم بها كل مواطن، وعليه فهل يمُكنك أن تتخيل بعد ذلك أن يُسخِّر مواطن مسؤول ومؤتمَن جميع ذلك لصالحه الشخصي ومن يحيط به من المقربين وذوي الحظوة لديه؟! فهل يمكن أن يتجرد منا الضمير الإنساني والوازع الديني والنفس الأمارة بالسوء لهذا المستوى وعبر تلك السنوات؟! أليس أبناء الوطن جميعهم يستحقون مكتسباته وخيراته؟! بل وكيف يهنأ أولئك وهم يستحلون خيرات الوطن وممتلكاته وأمواله لهم حكراً خاصاً دون غيرهم من المواطنين؟! أليس هناك من يحلم بمسكن متواضع يحتضنه هو وأسرته؟!، فكيف تغمض لهم عين وإخوانهم ممن يشاركونهم الهواء والأرض يبحثون عن رعاية صحية وعلاج شامل ملائم يحتويهم، وهم يتعالجون في أرقى المستشفيات العالمية؟! كيف يسعون لتعليم أبنائهم والمقربون منهم في أفضل الجامعات العالمية، وغيرهم يتطلع إلى تعليم جيد يمكنه من إدارة شؤونه وشؤون الوطن؟! كيف يستمتعون بالسفر لأفضل بقاع العالم وإخوانهم في الوطن يفتقرون للحدائق المهيأة والملاعب والأندية المتاحة للجميع؟! كيف وكيف... ألم يسرقوا أحلامنا وأحلام أبنائنا وأحفادنا؟! ألم يستنزفوا ثروات وطننا ومقدراته لصالحهم فقط دون غيرهم؟! ألم يخونوا الأمانة والثقة التي مُنحت لهم؟! ألم يتلاعبوا بمصير الجيل الحالي والقادم؟! وهل يكفي أن تُسترد الأموال والممتلكات منهم؟! وماذا عن الأرواح التي أُزهقت لأسباب مختلفة ومنها كورونا، وسيول جدة وغيرها كيف نستردها؟! ماذا عن أيامنا وعمرنا وأحلامنا التي انتظرنا تحقيقها ونحن نترقب منجزات مشاريعنا الاقتصادية الوطنية لتنهض بتطلعات الوطن والمواطنين، وتوفر لنا الوظائف والفرص القيمة لاستثمار مواردنا؟! ماذا عن مشاريعنا التي أُهدرت أموالها واستثماراتنا وخيراتنا التي سلبت ظلماً وخيانة، ونحن نتابع ونتأمل يوماً بعد يوم انفراج وبارقة أمل فيما يحدث حولنا من تعديات واستهتار لا مسؤول وننتظر مساءلته ومحاكمته؟! أما آن الأوان وحانت ساعة الحساب الدنيوي التي ننتظرها؟!
جميع مؤسسات الدولة وكياناتها ومسؤولوها خاضعون لطائلة القانون، وهم عرضة للمساءلة والحوكمة في جميع ما يتحملونه من مسؤوليات وما يوكل لهم من مهام، وما يطلب منهم من منجزات، في إطار مسؤولياتهم وفي ظل التكاليف التي تحملوها كأمانة وطنية وعبء إنساني وديني، قبل أن يكون شرفا وجاها اجتماعيا، وفي ذلك استناد لمنهج رباني في تصريف شؤون العباد والمخلوقات جميعها بما يضبط شؤونها ويحكم أمورها، فجُعل الثواب والعقاب وسيلة من وسائل التربية التي يعتمدها الشرع لصيانة المجتمع من غوائل الانحراف والشذوذ، لتأديب الجاني وللترهيب من الجناية والظلم والمعاصي، ولحث المؤمن على أن يتمسك بدينه ويدفعه إلى الاستزادة من العمل الصالح والاعتدال والترفع عن المعاصي، رغبة فيما عند ربه من جزاء برجاء عفوه ومغفرته وصلاح دنياه وآخرته، فالإسلام وضع من التشريعات والقوانين والإجراءات الاحترازية والزاجرة ما يضمن به سلامة المجتمع وسلامة أفراده من شتى المخالفات، ويعتبر الترغيب والترهيب حافزا ومنهجا تربويا محفزا للخير ورادعا عن الشر، وإن اختلاف الأنفس أوجب أن يكون للخير ثواب وللشر عقاب (فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره)، فبالمساءلة والمحاكمة والجزاء والعقاب تستقيم الأمور وتصلح أمور الدنيا والآخرة فينحسر الفساد ويتضاءل الظلم وصدق جل وعلا في قوله (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض)، وقوله (والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر اللّه به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار).
وقد ذكر أهل العلم عن الفساد بأنه أشمل وأعم من الظلم، لأن الظلم هو النقص والسرقة من حق غيره فقط، وأما من أفسد في أموال الناس فإن ذلك يقع على هذا وعلى غيره، بمعنى أن شره شامل ويعم الناس جميعهم الذين يمتد إليهم فعله، وهو بذلك يتحمل وزر جميع من أساء لهم وعلى رأسهم الوطن الذي ائتمنه ومنحه الثقة والشرف، ليكون راعياً لمصالحه ومسؤولياته، فأخل بالأمانة وخان العهد والميثاق الوطني.
وعلى الرغم من أن الفساد مرض نفسي وأخطبوط اجتماعي مستشرٍ تكتوي بناره جميع المجتمعات دون استثناء، لكونه يقف حجر عثرة أمام تنميتها وازدهارها وآفة تأكل الأخضر واليابس فيها، غير أننا لا بد وأن نعترف بأنه لا يستفحل بذات الدرجة ونفس التمكن في جميع المجتمعات، فمتى ما كانت القوة والسلطة يكون الفساد، ومتى ما كانت القوة والسلطة مطلقة يكون الفساد مطلقا (لورد اكتون)، وعليه فإن المعيار الفارق والضابط يكون في مدى تنفيذ وتطبيق المساءلة والحوكمة القانونية التي يتساوى فيها الجميع دون استثناء، وبذلك تستقيم المؤسسات في أدائها ويلتزم الأفراد الجادة في أدائهم، فتصلح الأوطان ويزدهر النماء وتطرح الأشجار ثمارها. 


تعليقات

حصه:كيف سيكون عقاب الفاسد؟ ماهى الضمانه أن لايعود -مستقبلا- الى فساده؟ على أى -مرتكز- سيكون الحكم عليه@هيا:أليس هذا استباقا للامور؟@حصّه:الداء مثبت وأبطاله كذلك وبالادله،وغير ذلك ماهو الاّ...!
احمد سليمان

عندما تدفّق اللاجئون على الغرب ،كان السؤال -كيف يتم ضبط تصرفاتهم الشريره والفوضويه، وتكويناتهم خليط من كل الديانات والملل وان معتقداتهم لم تنقذهم من الفساد والا ماهربوا..لذا الغرب شدد على(القانون) حامى الجميع.
احمد سليمان

أقوال:(بنى آدم ضعيف ) سرعان ما ينهار أمام اغراءات -الدنانير- ويتناسى النصائح والمحاذير والوعيد والعقاب المؤجل و كل ما كان يردده على مدى قرون وقرون )
احمد سليمان

خالد: السؤال لماذا (دهن السير ) متفشى عند بعض القوم؟ هل هو وراثه؟@حمد:كيف؟@خالد: فى الامويه والعباسيه-مثلا- الم يكثروا العطايا لشعراء المديح مهما كان للخليفه من سوء!(م=دهن السير ضرب من الرشوه=الفساد .كما ذكر أهل العلم ).
احمد سليمان

فالح: بما أن (الفساد ) كارثة للإنسان فى كل الأوطان اذن لماذا واختصار -للجهد- الاستفاده من طرق مكافحته من العدو التاريخى للقوم@حمد:لكن مفسدوا -العدو- أكثر مكرا@فالح:أسمع ويش يقول ذا..! مفسدينا هم -المكر- عينه!!
احمد سليمان


ارسل تعليق

*الاسم
*المدينة
*البريد الإلكتروني
*التعليق
نرجو الاختصار في حدود 50 كلمة مع تحري الموضوعية.
أوافق على شروط وأحكام الوطن.
لأي استفسار أو تعليق لهذه الموقع، أرسل بريد إلى webmaster@alwatan.com.sa
حقوق الطبع © محفوظة لصحيفة الوطن 2007