صحيفة الوطن السعودية
الأحد 5 رجب 1430 ـ 28 يونيو 2009 العدد 3194 ـ السنة التاسعة


أيتها الهيئة: كفي عن هذا الهراء!

هاني المعلم

تأتي فترة من السنة تقفر فيها المستشفيات من الأطباء المقيمين (وهم الأطباء-سعوديون في الغالب- الذين ينخرطون في برامج التدريب بإشراف الهيئة السعودية للتخصصات الصحية في مرحلة ما بعد مرحلة الامتياز وذلك لنيل درجة الزمالة)، وأول ما تلاحظه حقيقة هو عزوف هؤلاء الأطباء عن حضور اللقاءات الطبية الصباحية، تسأل ما السبب؟ يأتيك الجواب بأنه أمر عظيم! تبحث عنهم في العيادات الخارجية، فلا تسمع إلا الأعذار فقد أزف الوقت وادلهمَ الليل وحانت الساعة واحمرت المعركة!! إجازات اضطرارية، وغياب بحساب وبلا حساب، واكتئاب فوق الاكتئاب، وإذا سألت يا قوم أفيدونا ما الذي دهاكم؟ قالوا: ألا تعلم يا دكتور؟ قلت: لا أعلم، وسبحان العليم الحكيم، قالوا: ألا تدري يا دكتور، لا علمت ولا دريت! فلما يئسوا مني، قالوا: إنه الامتحان السنوي للهيئة السعودية! امتحان إلزامي، من لا يتجاوزه لا يرقى إلى سنة التدريب التالية، وإن رأى في المنام أنه حفيد ابن سينا أو ابن أخت الرازي أو زميل ابن حيان!
تذكرت مباشرة مرحلة التعليم الابتدائية والمتوسطة والثانوية، أتذكرون تلك الاختبارات التي لا تنتهي في كل المواد؟ أم إنها لازالت موجودة؟ أعمال السنة، والاختبار الشهري، والاختبار النصفي، ومن ثم الاختبار النهائي، فلا مذاكرة إلا بسبب الاختبارات ولا تدريس إلا لأجل الاختبارات!
لا أدري من الذي يخطط للهيئة ومن يضع مثل هذه القوانين التي عفا عليها الزمن، نحن أيها السادة لا نتحدث عن مرحلة تعليم جامعي بل مرحلة تعليمية لما بعد الجامعي، درجة الزمالة تعادل درجة الدكتوراه، ومع ذلك فإن الهيئة السعودية للتخصصات الصحية تصر على التعامل مع هذه الفئة الغالية والعزيزة والمهمة من العلماء الأطباء على أنهم من طلاب مرحلة ابتدائية! إنه الاستمرار القاتل للنمطية التقليدية المتخلفة التي لا تنتج إلا السلبية والبرود والجمود العلمي، لن يكون الأطباء المقيمون إذاً وبمباركة الهيئة الكريمة إلا حفنة من كتبةٍ..حفظة..محترفي اختبارات! ألا كفى قتلاً للعلم والعلماء!
يجب أن تتحول بوصلة التقويم من التركيز على كمية المعلومات التي يحملها الطبيب المقيم إلى المعلومات التي يطبقها الطبيب، لقد شَنع القرآن الكريم على الذين يحملون علماً غزيراً لكن لا رصيد تطبيقي له "كالحمار يحمل أسفاراً"، والأهم من أن تسأل سؤالاً نظرياً عن كيفية علاج الفشل الكلوي، أن تحرص على أن يتدرب الطبيب المقيم تدريباً سليماً فيه أهداف واضحة ومحددة، ويتم تحقيق كفايات علمية ومهارية وسلوكية بنهاية التدريب في قسم أمراض الكلى، وقس على ذلك جميع الأقسام.
إن الهيئة السعودية ومن خلفها جل البرامج التدريبية التعليمية في عدد كبير من مستشفياتنا لا يحمل توصيفاً للكفايات العلمية والمهارية والسلوكية الواجب توافرها في الطبيب المقيم الذي سيتخرج ويصبح استشارياً في تخصصه!
يجب أن نتعامل مع هؤلاء الأطباء على أنهم علماء أفاضل يقدمون أرقى خدمة يمكن أن يقدمها إنسان لمجتمعه، يجب أن نحترم وننمي الحس العلمي البحثي لدى هؤلاء العلماء، يجب أن نزرع فيهم الحس المهاري السريري، والثقة في اتخاذ القرارت السريرية الصحيحة، والمهنية العالية في تعاملهم مع أنفسهم ومع زملائهم ومع مرضاهم، وكيف يتحقق كل هذا مع الهيئة الكريمة وهي مولعة لحد الجنون بهذه الاختبارات السنوية وبأمر آخر يتعلق أشد التعلق بهذا الموضوع ألا وهو الرسوم المالية السنوية والتي تتضخم بلا سبب وجيه من عام إلى عام!
إني أسأل العقلاء والوجهاء في الهيئة الكريمة: هل هناك برنامج كفايات واضح لبناء وتخريج شخصية طبية علمية قوية ومتكاملة؟ هل هناك دليل واضح لكل طبيب ترصد فيه مراحل تطوره العلمي والمهاري؟ كيف يعقل أن يبدأ الطبيب المقيم تدربه في تخصص ما وهو لا يعرف ما الذي يجب عليه التمكن منه علمياً ومهارياً؟ والأدهى أن من يعمل معه هذا الطبيب من الاستشاريين أشد جهلاً منه في هذه الكفايات العلمية والمهارية، بل إن بعضهم لا ثقافة تعليمية عنده ولا اهتمام ولا حرص ولا دراية بأمور التعليم الطبي وقضاياه! والأشد دهاء ونكراناً أن جل المشرفين على هذه البرامج من الاستشاريين هم حقيقة قليلو الخبرة والإحاطة بالتعليم الطبي وقضاياه وأساليبه، فلا تطلب ممن لا يجيد العوم أن يشرف على مجموعة من السباحين! فليس كل طبيب وإن كان استشارياً هو معلم حاذق متقن لأمور التدريب والتعليم!
يجب أن نقر جميعاً - سواءٌ كانت الهيئة الكريمة أو كليات الطب في جامعاتنا العريقة- أن الأطباء الاستشاريين بحاجة إلى تدريب وتأهيل في التعليم الطبي، إن حجر الزاوية في أي عملية تطويرية لمخرجات التدريب والتعليم سواء لمرحلة ما قبل التخرج أو بعد التخرج إنما هو الاستثمار في اللاعب الرئيسي في العملية التعليمية ألا وهو الطبيب الاستشاري المعلم! يجب أن تلزم الهيئة الأطباء الاستشاريين بدورات تدريبية إلزامية. على الهيئة أيضاً أن تضيق الاعتراف بكل ما هب ودب من المراكز التدريبية التي لا تكتمل فيها آليات معينة تضمن قوة ونجاح هذه البرامج. وعلى الهيئة بشكل علمي منهجي أن تعيد النظر في آليات التقويم المعتمدة والتي أظن أن المعتمد منها سواء أكان بالاختبارات السنوية المشابهة لاختبارات المرحلة الابتدائية أو بالاختبار النهائي المعتمد على أسلوب الحالة الطويلة إنما هي أساليب قديمة بدائية انتهت فترة صلاحيتها من عدة سنوات! أضف إلى أنها لا تنمي إلا سطحية التعلم، على الهيئة أن تعتمد بجدية إدخال التدريب على البحث العلمي وآلياته، على الهيئة...
"لا داعي لا داعي، لا تكثر الكلام قد أزعجتنا بكثرة كلامك وطول لسانك وتدخلك فيما لا يعنيك...
هناك اختبار سنوي لكل سنة من سنوات التدريب، للسنة الأولى وللسنة الثانية وللسنة الثالثة وللسنة الرابعة، شئت أم أبيت، وعليه سيتم تحديد من ينتقل ومن لا ينتقل إلى السنة التالية، المهم أن الجميع سيدفع! وما ذكرته لا نستطيع عمله، فهذه إمكانياتنا وهذا نحن، وليس بالإمكان أفضل مما كان، أما كلامك فهو كلام جرائد! فليبقَ حبيس الورق! وسيظل الوضع على ما هو عليه! ومت بغيظك!!"
".....ك ت ب كتب.... ز ر ع زرع......ح ص د حصد....... ق ت ل قتل!!!......"


حقوق الطبع © محفوظة لصحيفة الوطن 2007