أحيانا نندب حظنا لعجزنا عن الرد على رأي نراه فاسدا، أو نعجز عن إيصال رأينا لأننا فكرنا بالطريقة الخطأ، فنقف عاجزين لأن ماكينة البث التي حملت الرأي أكبر من طاقتنا لدحضها، إما لسعة انتشارها، أو لأنها ذات قدرة اتصالية هائلة لا ينفع معها صوت في إذاعة، أو مقال في جريدة مثل البث البصري الجماهيري في السينما، والمسرح حيث تسلك بمفاهيمها مباشرة إلى عقل المتلقي، وتفرض وجهة النظر بالصور "المنمطة" المتكررة التي تقلل من شأن شعوب، وأمم لمجرد أنها لا تملك نفس التقنية، أو لم تستعملها بالشكل الصحيح، أو لم تلتفت لها أصلا كما فعلنا نحن السعوديين حيث تعالينا على الحقيقة، وتطاولنا على واقع العالم ورفضنا أهم معطيات العصر في تكنولوجيا البصر الذي دخل حياة الشعوب منذ بداية القرن الماضي، وغير الكثير من سلوك العقول، والأفهام في التلقي، مع أننا وللعجب تقبلنا التلفزيون، والإنترنت، وتبنيناها، ومع هذا لا نعدم من يحاول مواجهة الدبابة الحديثة بالقوس، والنشاب القديم، مع إمكانية أن نتبنى تقنية المسرح، والسينما لنواجه مد الثقافة العالمية بطرح ثقافة موازية لنا، وكما نرى أنفسنا. لقد أصابني الكثير من الأسى عندما رأيت نسخة فيديو من فلم (المملكة) الذي ينمط حياتنا نحن السعوديين بشكل ساذج في الفهم، ولا يرى منا إلا اختلافاً بين رجلي أمن، وصورة الإرهابي، وكأننا شعب من الإرهاب والمتفجرات، والضعف ولا شيء غير ذلك, هل نستحق ما يفعل بنا من تنميط "كاريكاتيري"، لمجرد أننا تخلفنا قاصدين في تبني وسائل العصر القوية للتأثير من بوابة طرح الثقافة البصرية بأساليبها، وتقنياتها. قبل الخوض في الموضوع لا بد أن أبين أنني أعارض أية فكرة للرد على العالم الغربي كما هو وسيلة لتكسب البعض بهذا الرد، فالغرب غرب متطور جدا، والثقافة الغربية "تستطرق" سريانا في أودية الانحدار في العالم كله، و مجرد محاولة مقابلة الطوفان بكلمة عارية من التقنية أمر لا يجدي شيئا سوى التنفيس الشخصي، والتبذير المالي على الأعمال غير المجدية في تغيير العقول، والأفهام، وما أقصده أن نبني متاريس دفاعاتنا الثقافية قبل أن يبتلع ثقافتنا الطعم النمطي، ونتلبس صورته المطروحة في أوسع الثقافات العالمية المسيطرة وهي ثقافة الغرب، وعبر شكل الصورة الشديد التأثير فالمسألة ليست الرقابة، ولا حسن النية بالمنع، والإباحة إذا لم تحصن النفوس بالثقة الداخلية بمعطاها الثقافي المعتدل، وبأساليب تستجيب لتقنية العصر البصري عبر العرض، والسينما المدروسة، مع العلم أنه ليس لدي اعتراض على تبني الثقافة الغربية المتفوقة بكل ما فيها من خير إذا لم أصور خلالها متخلفا. أما من جانب صناعة السينما التي تجاهلناها فهي ليست صناعة الأفراد، ولا المتحمسين من الهواة، (أقصد أول فلم سعودي، وآخر فلم سعودي) وهي صناعة الفلم الواحد للغرض الواحد، بل هي صناعة الثقافة، في تبني الفكر المطلوب لكل المجتمع بتنوعه، واختلافه في سبيل بعث روح الحوار و"التقبل السمح"، ومن خلال مصانع وآليات تكلف المليارات، وتصنع النجوم بالجمال السائد لنقل أنماط التشبيهات، وترويج القضايا في العرض البصري من خلال وسائل نفسية ظاهرة، وخفية يبتلعها المشاهد مثل الشوكولاته اللذيذة ولهذه الأساليب ضرورة ثقافية مثلها مثل التعليم، والتنشئة، إذ ما الفائدة أن نربي، ونعلم، وثقافة خارج المدرسة تكتسحنا لصالح الغير في غياب ثقافتنا المصنعة. لا يهم أن نقلق من أساليب السينما العالمية من طرح نمط يصورنا بما لا يرضينا، ويخلق عوالم حولنا من الخيال الذي يعشش مثل الحقيقة، بل المهم أن نلتفت إلى مدى وعينا بهذه الصناعة قبل الكلام عنها، أو لومها لأنها تشوه صورتنا العربية، أو المحلية، أو لأنها تتجاهل منجزنا الحضاري لحساب الحضارة العالمية، فالعالم النامي بقدراته السينمائية لا يبتعد عن قدراته العسكرية في موضوع اللحاق بالدول العظمى التي تحتل العالم فكريا بمنتج ثقافي ينساب إلى العقول دون حواجز، وعبر كل وسائل الاتصال الممكنة، ولكن المهم أن نعي مدى التخلف الذي نعانيه في هذا الجانب. كلنا نعرف أن (هوليوود) تكتب أفلامها بصيغ بصرية مختلفة، تجعل تأثيرها أبعد من عالم الواقع، ودارسو هذا الفن يميزون عدداً من صيغ الكتابة البصرية التي تجعل (الأفلام الهوليودية) مختلفة عن غيرها من أفلام العالم فكريا وتقنيا، ولذلك استغلت هذه الأفلام من قبل أمريكا وغيرها لرؤية موجهة، وصارت الأفلام سلاحا لقطاع الاستخبارات، وقطاع أصحاب الاهتمامات الخاصة على أنها وسيلة لتغيير التوجهات، وإقناع الناس بفكر، أو آخر.، ولحساب الجهات القوية مثل قطاع الأعمال، أو قطاع حماية البيئة، أو بعض الفرق الأقل قبولا، ومن حق هذه الفئات إنتاج مضامين لشرح أغراضها السياسية والفكرية، ولعل أبرز من استفاد من هذا الجانب الصهيونية العالمية، وحتى المافيا، والجريمة المنظمة، والمسالة في نظري ليست مؤامرة على العرب والعالم، بل هي حق لكل قادر على تمويل فكره الذي يراه بطرحه للرأي العام لتحقيق مصالحه، فالمسالة مال وسلطة وليست مؤامرة، والجدل هنا حول أن نعرف أن هذا حق لنا أيضا لو أردنا العمل عليه بتصوير ثقافتنا كما نراها بعين غير معادية، لقاومنا بشكل أفضل. في هذا النوع من الأفلام تصاغ السيناريوهات، وفي الغالب تكون "ثيمات الفلم" أن هناك غربي متحضر (بطل) تحيطه مخاطر همجية (عدو أو مناوئ) يقع البطل في مأزق، ثم يمد خطوط الاتصال مع (مساعد بصورة معاون، أو واش خفي يسهل الأمور في الصراع) ويسوق في طريق يؤدي إلى ( قضية محددودة تبدو إنسانية وعاطفية التوجه)، وتبدأ الصورة بعرض مشاهد بصرية لحالة البلد حسب الفلم، وعسكره غير المتحضرين، وهمجية بعض أفراد شعب ذلك البلد وعنفهم، ودمويتهم ثم تنبري القوة الأمريكية عبر وكلاء (CIA) أو (FBI) وكثيرا من الأحيان آخرون خارج السلطة يصيرون أبطالا ويتسللون إلى البلد ويعبرون طريقهم بطريقة الشهير (رامبو) ثم ينقذون الضحية المفترضة ويقتلون الشرير بعد أن يكونون حيدوا تماما مواطني البلد، فالبلد الذي يغزونه يبدو للمشاهد حسب العين الهوليودية وكأنه غابة من الرعب يستطيع الأمريكان الموكلون بالمهمة أن يقتلوا ويفجروا إلى أن يصلوا لصاحبهم أو صاحبتهم، أو المجموعة المحتجزة فتشارك في بطولة الخلاص ويقتلون شريرا في هذا البلد بصفة هذا ختام سعيد يجعل المشاهدين يتطهرون من رجس هذا الشر المفترض الذي عاشوه خلال أحداث الفلم، لكن على حساب طرح النمط الشرير الذي يتحول تلقائيا إلى المقصود بالنبذ والإقصاء مثل ما عملت الصهيونية على نموذج العربي. فلم (المملكة) يطرح نفس هذا النمط، وبلفافة معدلة لغرض الفلم من "كليبات الأخبار" التلفزيونية المعروضة عن أحداث متفرقة، والمشكلة حول الفلم هي تناقض رأي المهتمين حول الفلم، حيث كتب البعض لماذا لا ننتج فلما يضع الأمريكان كما نراهم من السذاجة، وهذا في نظري مضيعة للجهد، والمال.. بينما كتب آخرون لماذا لا ننتج أفلاما ترد عليهم وتبين كم نحن متحضرون، ولدينا مصانع، وعمارات، وسيارات وطائرات، ونعرض هذه الأفلام في أمريكا.. وهذا مع الأسف هو العقل الإداري السائد الذي لا يعرف ما هي روح الفن وجسده، وهو العقل الذي أفسد "السالفة من أولها" حول مفهوم الفنون المعاصرة، نسي موضوع أنسنة الفن. أنا أقول لا هذا ولا ذاك، ولكن علينا أن ننمي صناعة مسرح وسينما تحمل ثقافتنا المعاصرة ونبثها لمجتمعنا نفسه ليروا بأنفسهم أن لديهم ثقافة خاصة بهم، كما للغرب ثقافة خاصة به، تلائم العصر الاتصالي البصري عبر وسائل تدخل للعقول بدون حواجز، وحتى يشعر المواطن أنه إنسان طبيعي، وأن وطنه بكل ما فيه هو مرتكز العالم عامة، ومنبته، وكونه وعالمه. المملكة اليوم بلد غيرها قبل عشرين سنه، ولا بد من تجاوز بعض آراء واجتهادات الفكر المحافظ، وعقلية المؤامرة ضدنا، وضد ديننا، فأكبر المؤامرات هو ما نحيكه لأنفسنا والتوجه بجهدنا، ومالنا للحضارة لبناء وطن متحضر يستطيع المواطن فيه الدفاع عن نفسه وثقافته، من خلال معطياته في قناعة بإمكانية التعايش مع الآخرين، في هذه الحالة قد نضع الغرب في "كاريكاتيرات" نضحك عليها في أفلام الكوميديا بصالة العرض، بدل أن نضحك على أنفسنا.
*كاتب سعودي
|