صحيفة الوطن السعودية
الثلاثاء 2 جمادى الآخرة 1430 ـ 26 مايو 2009 العدد 3161 ـ السنة التاسعة


الشغف بالعلم

هاني المعلم

أعتقد أن أهم وسائل نشر وبناء منهجية تفكير علمي صحيح هو العمل على بث روح الولع بالعلم والشغف به وتنمية بذرة حب الاستطلاع واكتشاف المجهول، وهذه آلية لا تختص بزمن دون آخر ولا بسن دون أخرى، بل هي مسؤولية الجميع: المعلم في المرحلة الابتدائية والمعلم في المرحلة الجامعية، تلميذ المدرسة وطالب الجامعة، المدير، المقرر، البيئة التعليمية.. كل ذلك يجب أن يدعم الشوق إلى معرفة الجديد والكشف عن أسرار وغرائب العلوم والمعارف. إن الطالب وأخصص أكثر وأقول - طالب المرحلة الجامعية – لا يتعلم وهو جالس أمامك في قاعة الدرس بين أربعة جدران، ينظر إليك بعينين جاحظتين من أثر النوم والنعاس، ويستمع ولا شيء غير الاستماع والتلقي، كوعاء يصب فيه الأستاذ ما شاء من معلومات منطقية وغير منطقية، وما أخشاه أن هذا الوعاء قد يكون مثقوباً لا يكاد يبقي على شيء وإذا سلم من العيوب وامتلأ الوعاء فإنه سرعان ما ينقلب مقفى على وجهه في أول خطوة للطالب خارج قاعة الدرس! إن الطالب وأستاذه يجب أن يكونا طالبي علم ومعرفة، لا فرق بين أحد!! إن الطالب يتعلم في سعيه للتعلم، يتعلم إذا أمعن تفكيره فيما يريد أن يتعلمه، يتعلم إذا أحب العلم وتعطش عقله وذهنه للجديد، فلا يهتم إلا بالعلم والمعرفة لتصبح طعامه وشرابه، صبحه ومساءه، فيبذل الجهد ويسخر الطاقات ويقوم بأنشطة وفعاليات في سعيه للتعلم ويناقش زميله وأستاذه ويحاور فيما أريد منه أن يتعلمه، وكل ذلك تصديقاً لما ورد في الأثر إنما العلم بالتعلم!!
أتأمل بروعة وإجلال قول الله سبحانه وتعالى: "وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي"، وهذا ليس بسؤال شاكٍ فيما يؤمن، إذ إنه سأل عن الكيفية وليس عن أصل الموضوع وهو الإحياء، إنما هو سؤال تشوقٍ وتطلعٍ وتلهفٍ وبحثٍ عن المزيد من اليقين، وانظر إلى روعة الرد الرباني الذي يؤكد ويؤصل مبدأ الحوار والنقاش في أي موضوع مهما كان ظاهره خطيراً ويحمل طابع "الخصوصية"، ليس هناك توبيخ أو صد أو إعراض، بل سؤال هادئ مستفهم - والله العالم بكل شيء - للتأكد من صحة الرغبة وهدفها.
إن الشغف بالعلم وحبه والانغماس في بحوره والتحليق المستمر في عالمه يخلق أجواءً صحية رائعة في المؤسسة التعليمية، في المنزل، في المجتمع، في كل مكان، يجب أن نربي أنفسنا ليس على احترام العلم والعلماء فحسب بل على احترام وتقدير كل ما له علاقة بالعلم من قريب أو بعيد.
أنقل هنا صورة شغفٍ وولعٍ بالعلم وأهله، فيها مجتمع أدمن العلم والاشتغال به، وفي هذه الصورة بيئةٌ تُكبر وتشجع كل من تعلم، وتحارب من رضي بالجهل والقعود، صورة ليست من سير العلماء الغربيين الذين احتك بعضنا بهم ورأى كيف أن عمرَ أحدهم يذهب في سبيل الكشف عن مركب ما أو دراسة ظاهرة ما، وليست في وصف جامعات غربية تموج فيها حركة العلم والعلماء والاحتفاء بالبحث العلمي والدعم اللامحدود لكل من أراد أن يتعلم أو يبحث من مكتبات ورقية وإلكترونية هائلة (أذكر أني طلبت مرة من مكتبة الجامعة في فانكوفر – كندا - عن طريق الكمبيوتر مقالة علمية في مجلة قديمة كتبت عام 1946، تم إحضارها في ظرف يوم واحد!)، وجيوش من الإحصائيين وداعمي البحث العلمي، وآليات إدارية سهلة سلسة في كل علم وفي كل تخصص هدفها خدمة الطالب والباحث لا تعقيده!
هذه الصورة الرائعة أنقلها من كتاب (ضحى الإسلام) للأستاذ أحمد أمين وهو الذي يؤرخ لمسيرة العقل العربي منذ فجر الإسلام ويرصد بدايات العلوم الإسلامية وتطورها على مدى العصور، ذكر في الجزء الأول صفحة 384 : "... وهكذا تمتزج في العراق كل الثقافات، وتتبادل كل الآراء، وتعرض كل الآداب فيروي الأغاني: "أنه كان في مسجد البصرة حلقة قوم من أهل الجدل يتصايحون في المقالات والحجج فيها" وبجانبهم حلقة للشعر والأدب وهكذا. وكان الذين يحضرون هذه الحلقات من أجناس مختلفة وديانات مختلفة وآراء مختلفة، وكانوا يتلاقون في المسجد وفي المنازل، وفي قصور الولاة والخلفاء، ويتحاجون ويتجادلون، يخرج الجاحظ صباحاً إلى المسجد لطلب الحديث، ويلتقي بعد بحنين بن إسحق وسلمويه، ويلقى النصراني واليهودي فيجادلهما، ويلقى البدوي العربي فيأخذ عنه. يتقابل أصحاب الديانات فيحكي كل ما ورد في كتبه عن خلق العالم، ويتجادلون في رؤية الله هل تكون أو لا تكون" ثم يقول: "على حين يتجادل الآخرون في أي الأمم خير، ويتعصب هذا للعرب وهذا للعجم، وغير هؤلاء في لغة وفي أدب، ويقارن العلماء بين اللغات المختلفة والآداب المختلفة. فكان من هذا كله حركة عنيفة، لم تدع نوعاً من المذاهب والأديان واللغات والآداب يعيش وحده، بل لم تدع جزءاً من الأجزاء إلا مزجته بأجزاء أخرى حتى صعب على الباحث أن يرد الأشياء إلى أصولها، ولم تكن هذه العملية كعملية مزج الزيت بالماء، يعود كل عنصر ملتئماً مع نوعه مفارقاً لغيره، ولكنه كامتزاج السكر بالماء، أو نفحات الأزهار بالهواء. تمتزج فتبقى أبداً، وتتلاقى فلا تفترق أبداً. وكذلك كانت الثقافات، التقت في هذا العصر فكان أول تلاق، وصارت على توالي العصور أشد تلاقياً، وأكثر امتزاجاً"
"الجهل غشاء سميك يغشى العقول، والعلم نار متأججة تلامس ذلك الغشاء فتحرقه رويداً رويداً" كما يقول المنفلوطي، والحق إن الأغشية كثيرة جداً لا تكاد تحصى! فما يجهله الإنسان أكثر مما يعلمه، لكن على العقل أن يتألم قليلاً من حرارة نار العلم، فما إن يزول هذا الغشاء حتى يرى النار نوراً والألم لذة وسروراً، فيهوى العقل حينئذ كشف أغشية الجهل وحرقها، لأن من رأى النور لا يمكن أن يرضى بالظلام!


حقوق الطبع © محفوظة لصحيفة الوطن 2007