السبت 15 رمضان 1430 ـ 5 سبتمبر 2009 العدد 3263 ـ السنة التاسعة
ماذا تعني محاولة اغتيال محمد بن نايف؟
ماذا تعني محاولة اغتيال مسؤول ملف الإرهاب في السعودية مساعد وزير الداخلية السعودي الأمير محمد بن نايف على يد أحد المطلوبين أمنياً؟ هل تعني ازدياد خطر القاعدة في السعودية أم إنها لا تعدو كونها محاولة إثبات وجود لتنظيم في حالة ضعف شديد؟ لابد لنا من العودة إلى التاريخ قليلاً قبل محاولة الإجابة عن هذا السؤال، فعندما بدأت العمليات الإرهابية على أراضي المملكة على أيدي أفراد من تنظيم القاعدة عام 2003 كان قادة هذا التنظيم يشعرون بزهو وقوة كاذبة. ومع أنه ظهرت عدة أخبار حول وجود "قوائم موت" لدى الإرهابيين تتضمن أسماء من الأسرة المالكة وبعض المفكرين والكتاب السعوديين؛ إلا أن قيادات التنظيم نفت عزمها القيام بأية عملية تستهدف القيادات الأمنية والسياسية في السعودية؛ بدأ ذلك من أول بيان أصدروه (صوت الجهاد ع 1) وافتتاحية العدد 2 من المجلة ذاتها، مروراً بتصريحات قيادييهم ومنظريهم مثل عبد العزيز المقرن ولويس عطية الله وغيرهم. ولكن كانت هناك أسباب حقيقية تكتيكية واستراتيجية كانت تحول بين التنظيم وبين استهداف قيادات أمنية وسياسية سعودية. فتنظيم القاعدة كان يتوهم خاطئاً إمكانية حصوله على تأييد شعبي وهو يعلم علم اليقين أن هذا التأييد لن يكون باستهداف القيادات الأمنية والسياسية. والأمر الآخر معرفة التنظيم الأكيدة بخطورة المواجهة المباشرة أو الاستهداف المباشر للقيادات الأمنية والسياسية وأن الوصول إليهم لن يكون إلا في مواجهة مسلحة مباشرة سيخسرها التنظيم بكل شك. ومع ذلك، فقد قام عبد العزيز المقرن عام 2003 بتأسيس فرقة اغتيالات تحت مسمى "كتائب الحرمين"، هذه الفرقة كانت متخصصة في الاغتيالات والاستهدافات الداخلية، وكانت تزعم عدم علاقتها بتنظيم القاعدة. فكانت محاولة اغتيال فاشلة للواء (آنذاك) عبد العزيز الهويريني وأخيه أواخر عام 2003، واستهداف الهويريني كان بسبب موقعه الأمني، ولخبرته في مواجهة الإرهابيين التي تناهز 30 عاماً. تلا ذلك عملية تفجير مبنى أمني في الرياض في أبريل 2004، لكن الرد الأمني كان حاسماً بملاحقة المقرن وقتله في يونيو من العام نفسه. بعد ذلك أزال التنظيم قناع الزيف عن وجهه، وأعلن دخوله في مواجهة مباشرة مع القيادات الأمنية والسياسية ولم يعد يختبئ خلف تنظيمات موهومة، فكانت المحاولة الفاشلة بتفجير سيارة خارج مبنى وزارة الداخلية السعودية في 29/12/ 2004 وهي العملية التي زعم تنظيم القاعدة أنه استهدف فيها اغتيال الأمير محمد بن نايف مساعد وزير الداخلية، وكان الرد الأمني قوياً ساحقاً ففي اليوم التالي لهذه العملية الفاشلة تمكنت قوات الأمن من قتل عشرة إرهابيين فيهم زعيم التنظيم في السعودية اليمني إبراهيم الريمي ومعه أحد كبار منظريهم سلطان العتيبي المعروف باسم أبي عبدالرحمن الأثري. وفي يونيو 2005 قتل بعض الإرهابيين الضابط مبارك السواط أمام بيته في مكة المكرمة، فجاء الرد سريعاً حيث قتلوا على يدي رجال الأمن بعد ثلاثة أيام فقط من جريمتهم. وكذلك جريمة اغتيال العقيد ناصر العثمان عام 2007 فقد قبضت قوات الأمن على أغلب منفذيها بعد أقل من أسبوع من جريمتهم الشنيعة. إن هذا العرض التاريخي يوضح بجلاء فشل أي مواجهة مباشرة أو استهداف مباشر للقيادات الأمنية والسياسية في السعودية، فهي مواجهات يضمن فيها تنظيم القاعدة الخسارة وتؤدي دائماً إلى عمليات رد قوية تسقط كبار رؤوس التنظيم في البلاد. كما أنها تزيد من عزلة التنظيم المنبوذ أصلاً في أوساط الشعب السعودي. إن عداء تنظيم القاعدة للأمير محمد بن نايف ليس لأنه فقط استطاع هزيمتهم هزيمة أمنية؛ بل لأنه أيضاً هزمهم فكرياً ففي دعمه لبرنامج المناصحة وقبوله استقبال التائبين من الإرهابيين أو المتأثرين بفكرهم أثبت خواء فكر القاعدة التكفيري وضعفه وعجزه عن المواجهة وأن هذا الفكر التكفيري لا يستطيع الحياة في الهواء الطلق. فكانت محاولة الاغتيال ليس لاغتيال الأمير فقط بل وأيضاً لاغتيال الفكر الذي يمثله الأمير محمد بن نايف، فكر الاعتدال والوسطية والحوار بالتي هي أحسن. لكن ما الجديد والمختلف في هذه المحاولة عن غيرها من المحاولات؟ إنه اعتمادها على آلية تقنية متطورة في التفجير، فالقنبلة مزروعة في جسم الإرهابي والتفجير كان عن طريق الهاتف الجوال. والآن نعود لجواب السؤال عن خطورة هذه العملية. إنها بكل تأكيد لا تعلن عن ولادة جديدة لموجات العنف والإرهاب، فالتنظيم محاصر ومهزوم أمنياً وفكرياً واجتماعياً، فهي إذن لا تعدو أن تكون محاولة لإثبات الوجود، ومع ذلك فإن هذه العملية الفاشلة تؤكد على أهمية المعالجة الفكرية التي تمهد لاجتثاث جذور هذا الفكر الضال، فالمجتمع كله منخرط في مواجهة فكرية أمنية مع هذا الفكر الظلامي، والضرورة ملحة لتفكيك البنية الفكرية لتنظيم القاعدة بكل صراحة وشجاعة.