الثلاثاء 28 ربيع الآخر 1428هـ الموافق 15 مايو 2007م العدد (2419) السنة السابعة
الصفحة الرئيسية
الأخبار
الأدباءُ الشباب ما بعد الثورة الجزائرية مازالوا يحملونها فوق هاماتهم
فاطمة ناعوت
القطيعةُ المعرفيةُ بين المشرق والمغرب العربييْن؟، هل مازال مثل هذا السؤال مطروحًا الآن؟ وهل ثمة؟ إنْ نعم، فمن المسؤولُ عنها؟ وإنْ لا، فما دليلُنا على النفي؟ الجزائر تحديدا، بلد المليون شهيد، تلك البقعة العظيمة التي أنفقت ما يزيد عن قرن من عمرها في رحلة إثبات الهوية ثم رحلة تكريسها وتجذيرها، ودفعت في سبيل ذلك من الأثمان وأعمار بنيها ما أدهش العرب جميعَهم، فاحتلّت دومًا مكانَها المطمئنَ في قلب كل عربيٍّ. كيف تبلور نتاجُها الأدبيُّ منذ استقلالها وحتى الآن فيما يقاربُ خمسةً وأربعين عامًا؟ أبناءُ ما بعد الثورة الجزائرية العظمى. هل تجلّت في كتاباتهم محنةُ الجزائر وانتفاضةُ طليعتِها وعذاباتُ الثوار والمناضلين رجالا ونساءً حتى انتزعوا حريتَهم وهويتهم واستقلالَهم من يد المستعمر عند منتصف القرن الماضي؟ أم إنَّ هذا الجيل الشاب، الذي لم يذق ويلَ الاستعمار وظلمتَه، وتنفس الحريةَ مطواعةً مع صرخة الميلاد الأولى، يحقُّ له أن يطوي تلك الصفحة بكاملها من دماء وأوجاع وموت، ثم ليفتح صفحةً جديدة رائقة تناسب عصرَه ما بعد الحداثي، مشابها في ذلك مجايليه ورفقاءه من أبناء البلدان العربية الأخرى؟ كل هذه الأسئلة، وأكثر، جالت بخاطري وأنا أتأمل المشهد الجزائري الأدبي الراهن. والحقُّ أن كلَّ سؤالٍ من تلك الأسئلة يحتاج، بحقّه الخاص، دراسةً كاملةً مستوفاة لمحاولة الوقوف على إجابات، ولو انطباعية، عنها. ما موقف الأدباء الجزائريين الجدد من ثورة بلادهم العظمى التي يصفُّها التاريخُ درّةً بين ثورات الكون الجليلة؟ إن ما يصلنا، نحن المشارقة، من آداب الجزائر شحيحٌ. خاصة إصدارات الجيل الراهن. المدهشُ أن ثورة الجزائر ومحنة أبطالها لا تزال حاضرةً بقوة في كتابات هذا الجيل الشاب الواعد. وهو ما ينفي عن أدباء الجزائر الشباب ما التصق بجيلنا بوجه عام كوننا جيلاً على غير تواصل مع ماضيه وتراثه وقضايا بلاده الكبرى. فنحن، بزعم البعض، جيلُ: قتْلِ الأب، واحتقارِ التراث، وانظرْ خلفك بغضب، إلى آخر تلك المثالب التي نرمى بها ونحن منها براء. ولست بصدد المدافعة عن جيل كامل من الأدباء الشباب يحتل بقعة مترامية الأمد من المحيط إلى الخليج، لكنني سأقول فقط بل إننا جيلٌ أحبَّ الأبَّ جداً لدرجة أنه لا يريد أن يقلده أو يستنسخَه، بل يرجو أن يضربَ خيامَه في مناطقَ بكرٍ لم يطأها هذا الأبُ كيما تبقى خيامُ الآباءِ شاهدةً على منجز سلفي ماجد. سأقول بل نحن جيلٌ مهموم بالفعل بقضايا بلاده، سوى أننا نبحث عن مناطقَ جديدةٍ لا مركزية للولوج إلى تلك القضايا الكبرى عوضا عن طرْقِها من مراكزها كما فعل آباؤنا. همومُ الوطن والعروبية قائمةٌ وحاضرةٌ في أعمالنا، سوى أنها تنتهج مبدأ المسِّ لا الإيغال من أجل أن تترك للقارئ مساحةً للتنفس والتأمل والتورط في استكمال النص. وهذا ما فعله الجزائريون الشباب بحق. فالمطلع على التجربة القصصية الجزائرية الراهنة سوف يجد ذلك بجلاء لا تخطئه عين ناقد مدرّب على الكشف عن الألماس تحت مناجمَ عميقةٍ صلدة. سيلحظ من فوره مثلا ذلك الحضورَ الطاغي لأعوام الثورة الثمانية وعام 1962 تحديدا وأوراس وخط موريس المكهرب والشهداء، الذين لم يخلُ من واحدِهم بيتٌ جزائريٌّ واحد، وغيرها الكثير من مفردات الثورة والاستقلال. تطرح ياسمينة صالح في قصة "أغنية جزائرية حزينة" صدمة وانكسار أحد أبناء الثورة الناجين بعد مرور سنوات على التحرير. اللامبالاة وعدم التقدير لهذا الذي حمل روحَه فوق كفِّه كي يتحرر وطن. وعند فائزة مصطفى التي استلهمت شخصية المناضلة جميلة بوحيرد في قصتها "لا" وأهدتها إليها أينما تكون. تحلم بلقاء جميلة لتحكي لها أوجاع الوطن وأحزانه فتقول في تكثيفٍ بديع: "وحدها جميلة، أأتمنها لتعيد إليَّ أواصرَ الحقيقة". وأما عبد القادر حميدة في قصة "طفلة" فنجده يرسم تلميذةً حائرة أين تكتب حرف "الحاء" على السبورة، فيهتف بها طفلٌ في الفصل "اشبكيها في حرف "الراء"، فيصفعه المعلم! لنرى كيف يلعب الرمزُ دورَه النافذَ في الأدب دون مباشرة ولا تصريح. فكأن المعلمَ هو السلطةُ التي تعاقب الشعب إذا ما نادى بالحرية. وهذا ما عنيته من ولوج القضايا الكبرى من مكامنها الخبيئة لا المركزية الصارخة. وهذه جنّات بومنجل في قصتها "الحلم" ترسم مشهدا لعجوز في قطار. غفت لبرهة فجاءها ابنُها الشهيد في الحلم متكئا على الشمس مُكلّلا بالنور. فتقول لزوجها في أسى: "كان موغلا في الظلم.. عندما اعشوشبت ضحكاتُه ورنا بعيدا، فلم ألمسه أو أضمّه". يا له من رمز!، الشهيدُ هو الظالمُ أمه لأن وجهَه يهربُ سريعا من حلمها، قبل أن تلمسه أو تضمه!، ظالم لأنه قُتل، فيما قاتله باق وحيّ، فمن الذي سيجرؤ على نعت القاتل بالظلم؟ في جملة صغيرة كهذه تتلخص مأساةُ أمّةٍ كاملة. أمةٌ لا تعرف على من تصوّب النارَ مادامت لا تملك من أمرها شيئا. فتختلط أوراق الظالم والمظلوم وترتبك الحقائق. ولو فتحنا قوس التدليل الرمزيّ في قصة "تحت الركام" لميلود حميدة سنقرأ أن ما تحت الركام ليس مخطوطةَ الكاتب التي أنفق في سبيلها عمرا كاملا ليخطَّها، بل هو حلمُ القومية الذي لوّحوا لنا به طويلا ثم آل مصيرُه إلى ما تحت الأنقاض بثلاثين فرسخا. وعلى النهج الرمزي ذاته بوسعنا قراءة قصة "ما تبقى منهم" للقاصة فاطمة الغولي على أن سيارة الدورية هي الثورة، وطاقمها هم شهداء الجزائر الذين فاقوا المليون، ليبقى الكلبُ "فوكس"، الناجي الوحيد، يعوي كونه الشاهدَ الصامتَ على هذه المجزرة الكونية. وبوسعنا بالطبع وضع دوالٍ كثيرة محل هذا الكلب لو فكرنا في كل متخاذلٍ في هذا الوطن العربي الكبير. وهذه سهيلة عزوني في قصتها "مشهد عربي" تلخص مأساة العرب في مقاطعَ سريعةٍ تناهض فيها فكرةَ التخاذل العربيّ الذي يجعل الشعوب تتفرج على كوارث بعضها، فتغصُّ حلوقها للحظة واحدة. ثم تنسى. ها هو الهم العام أو قضايا الوطن الكبرى، في نصوص مجموعة الشباب هذه. وهم لا يعبرون بطبيعة الحال عن ثراء المشهد الجزائري الراهن الذي أراه بالفعل واعدا وغنيًّا ويستحق من النقاد العرب، إن كان ثمة، وقفةً متأنية للوقوف على ما به من ملامح مبشرة. سواء على مستوى امتلاك ناصية اللغة من نحو وصرف وصوغ وتركيب، رغم ازدواجية اللسان والفرانكفونية، أو على مستوى امتلاك المقدرة على التكثيف والرمز، وكذلك على مستوى ثراء المضامين. * شاعرة مصرية