الثلاثاء 22 شعبان 1428هـ الموافق 4 سبتمبر 2007م العدد (2531) السنة السابعة
الصفحة الرئيسية
الأخبار
حالة من التحطيم بين شخوص الماضي والحاضر
دراما آنية وكسر لحائط الزمن في سردية بوزيان
فاطمة ناعوت
علّ هذا التعبير: "كسر حائط الزمن"، على نسق كسر الحائط الرابع عند بريخت، هو التعبير الأنسبُ طرحه حال مقاربة سردية القاصة المغربية الواعدة فاطمة بوزيان في مجموعتها الأخيرة "هذه ليلتي"، الصادرة عن "مجموعة البحث في القصة القصيرة بالمغرب". فقصص المجموعة جلُّها تختبرُ تحطيم جُدُر الزمن بين شخوص من الماضي وشخوص من الحاضر لتنخرط معاً في دراما آنية يتمازج فيها التاريخيُّ بالمعاصر، العتيقُ بالحديث، التقليدي بالتكنولوجي. أو كأنما كل قصة سهمٌ يخترق الحاجز بين عصرين فيورطهما معا في جدلية محايثة تنتمي إلى الراهن، وتنظر بعين الحنين، وربما السخرية، إلى المندثر. الهوّةُ الوقتية بين هذين العصرين تخلقُ مفارقةً فلسفيةً، ستكون هي المحطَّ الفنيّ والمضمونيّ للسرد. وعلى ما يخالف أجرومية القصَّ الكلاسيك، الذي يبدأ بالمقدمة وينتهي بالخاتمة مرورًا بالذروة، تبدأ بوزيان سردها بالذروة، ثم "تخلط" أوراق المقدمة والنهاية في تشظٍّ فنيّ جميل يكرّس تيمتها في تصديع بنية الزمان الذي لا توليه القاصةُ احتراما حقيقيا، إلا بقدر الإيمان بأن تفتيته وإشاعة الفوضى في أوصاله يخلق حلّةً سوريالية من شأنها أن تخطف القارئ من رتابة الحدث ونظامية التواقيت. فها هي تستحضر ببساطة بلزاك من رقدته الأبدية في القرن التاسع عشر، وتراسله إلكترونيًّا وتدله على طريقة أسهل في وصف فستان محبوبته إليزا يجنبه الوصف التفصيليّ "الحبريّ" المطوّل لنوع القماش والموديل وشكل الصدر والذيل والأكمام. ذلك الوصف السردي الذي أفنى بلزاك عمره في كتابته. فما أسهل أن يلتقط للفستان صورة فوتوغرافيا بأي هاتف ذي كاميرا، ثم يضع رابطا له على الشبكة العنكبوتية كاتبا تحته "فستان إليزا". كذلك في قصتها الأولى "أسرار"، تبني القاصةُ مفارقتها الإبداعية على إشكالية ضجر الأبناء برقابة الآباء على خصوصياتهم، ثم لا يفتأ هؤلاء الأبناء يمارسون الوصاية ذاتها على أبنائهم فيما بعد. غير أن القبض على رسالة الحبيب المخبأة داخل قصيدة لوركا قديما، أيسر من فك شفرة بريد إلكتروني يحمل رقما سريًّا لا تعرفه إلا الابنة العصرية. هذا الصدام بين الماضي والعاصر نلمسه في قصص أخرى مثل "اشتهاء حزن"، "رنّات الديكة"، "هذه ليلتي"، حيث الطفلة التي شاهدت عرسًا في القديم، تعاين حال عرسها الخاص اليوم، لتنبئها بما كانت عنه جاهلة. ومنها قصة لا تستغرق إلا موقفا واحدا مثل "الصعود إلى الزيرو"، على أن الصدام بين ثقافتين، إحداهما حداثية والأخرى بدائية، مازال هو تيمة العمل. ومن ثم لن تخلو قصة من المجموعة من وسيط حداثي مثل المحمول أو الإيميل أو الروابط الإلكترونية إلخ. عبر لغة تنهل من الشعرية الشيء الكثير، وتتكئ على تيار الوعي والمونولوج الداخلي والتداعي الحر للأفكار، تطرح بوزيان بعض إشكالات المجتمع العربي بعامة، والمغربي بخاصة. مثل الفصام الذي يعتمر عقول بعض المثقفين، سيما حين يعيشون في أوروبا فترة من الزمن، فنجدهم يطرحون نظريات متحضرة لا تلبث أن تتبدد بمجرد ارتطامها بأرض التنفيذ. كذلك إشكالية عدم المساواة بين البنت والولد، ففي حين يُرسل الولد إلى الجامعة ليتعلم، لا تطمح البنتُ لأكثر من تعلّم فن التطريز الفاسي الشهير. كذلك نصطدم بالمآسي الناجمة عن فرار بعض الشباب المغربي إلى إسبانيا وفرنسا عبر البحر، مخلّفين وراءهم ثكالى لأبناء غرقى. أما القصة العمدة في هذه المجموعة، والتي أقترح أن يتبناها مخرجٌ سينمائيٌّ واعد لتغدو أحد أجمل الأفلام لو أُجيد توظيف دلالتها الفلسفية والسوسيولوجية والسياسية سينمائيا، فهي قصة "ازدحامولوجي". من العنوان ثمة ما يشي أننا بصدد حال من ازدحام بشريّ ما. وبالفعل تحذّرنا القاصةُ من خطورة ازدحام العالم منذ السطر الأول فتقول: "العالم ملغوم، انتبه". وهي لا تخرج كثيرا عن التيمة التي أشرنا إليها كمفتاح للمجموعة كلها. كسرُ الحائطِ الزمنيّ. فالوصول إلى النفس هو أطول الطرق وأوعرها. وتلك الرحلة تستغرق دوما الزمن الأطول. ليس فقط على النحو الفلسفي كما قال سقراط: "اعرفْ نفسَك"، وهو الأمر الأصعب، بل كذلك عبر المنحى التكنولوجي الحديث. فلو افترضنا أنك تكلم هاتفَك من هاتفِك، فسوف تستغرق المسافةُ الزمنَ الأطولَ. لأن الموجات المُرسَلة سوف تنتقل من هاتفك إلى برج الاستقبال، ثم ترتد من برج الاستقبال بنفس المسافة حتى هاتفك، لكي يستقبل هاتفُك الموجات تلك. ومن ثم تأخذ زمنا يفوق ما إذا كنت تطلب من هاتفك هاتفا آخر يبعد عنك مسافة ما. على نفس هذا النحو بدأت بطلة القصة البحث عن نفسها داخل محركات البحث في الشبكة العنكبوتية وكانت دوما تصطدم بجملة واحدة "This Page Cannot Be Displayed"، هذه الصفحة لا يمكن أن تُعرَض. ثم تبدأ بطلتنا في ملاحظة أن كل الشخوص من حولها تشرع في التسرّب إليها، واحدا بعد واحد. فتسلك سلوك صديقتها الشاعرة غريبة الأطوار، وتنفعل ببدائية مثل جارها الشيخ، وتتفاعل مع مباريات كرة القدم مثل زوجها، وتغدو مزعجة وخرقاء مثل زميلتها العصبية، وهلم جرا. أما شخصيتها الفعلية فقد توارت وخَفُتَ حضورها وراء كل تلك الطبقات الكثيفة من الشخوص التي تتراكم داخلها يوما بعد يوم. تذهب إلى طبيبها النفسي الذي يبدأ في تفريغها من مستعمريها إثر جلسات حكائية طويلة من جانبها واستماع دقيق من جانبه. وبعدما ينجح بالفعل في استخلاصها من تحت طبقات الركام البشري الذي تكاثف حول نسغها، تخرج من عيادته ليكتشف زوجها أن شخصية الطبيب قد تسربت إليها في غفلة من العلاج، إذ بدأت في تقمص دور المحلّلة لكل من حولها، المفندة للشخوص الذين تلبّسوها، شارحة أطوار العلاج وطرائقه. فتذهب من جديد إلى الطبيب لينتزع نفسه من داخلها، وعند مصافحة الوداع في جلسة العلاج الختامية، تكتشف أن الطبيب بدأ يسلك سلوكاتها ويضحك مثلها، بل يمد أصابعه ليزيح الشعر من فوق جبينه بعصبية تماما مثلما تفعل هي، على الرغم من أن الطبيب أصلع!! لقد تسربت شخصيتُها إلى طبيبها المعالج. ومن ثم يتوجب على كل إنسان أن يضع حول شخصيته جهاز حماية anti-virus لكي يتقي انسيال الشخوص المحيطة إلى مملكته الخاصة. وبعيدا عن طرافة الفكرة، وكوميدية المعالجة، التي تجعلها تعد بفيلم سينمائي رائع كما أسلفنا، فالحكاية تحمل أبعادا فلسفية شديدة العمق بالفعل. على غير ما علمتنا رواية "الطريق" لنجيب محفوظ في أن البحث عن الذات أو الهوية هو ببساطة رحلة الإنسان فوق الأرض، أو "الشحاذ" التي تعلمنا أن البحث عن السعادة أو التحقق هو مسألة الإنسان الأولى، أو "الخيميائي" لكويللو التي تطرح فكرة أن السعادة تكمن في رحلة البحث عنها، على عكس ذلك تلوّح لنا بوزيان بخطر "التوهان" وسط الكثرة. وهنا ملمح سوسيو-سياسي ينذر بكارثية العولمة المؤدلجة حين لا تتم على نحوها الصحيح، مما يهدد بضياع الأنا وسط الآخر الكبير. فلا يكفي البحث عن الذات، ولا يكفي الاستمتاع برحلة البحث على مذهب المتصوفة: الطريق لا الوصول، بل ثمة حتمية لا بديل عنها لأن نجد ذواتنا أولا، ثم نحميها من الضياع والذوبان ثانيا. وأخيرا.