في كل مكان كان الحضارم يصلون إليه يتحولون إلى عنصر عطاء. إنهم مجموعات مدنية، تتفاعل مع المجتمع الذي تهاجر إليه، فتفهم تقنياته، وتتعاطى مع آلياته، وتصبح هذه المجموعات مع الوقت عنصراً فاعلاً ورئيساً ضمن منظومة هذا المجتمع الجديد. نرى ذلك بوضوح في السعودية، في الحجاز تحديداً، وفي غيره من مناطق المملكة، وبتُ أراه في الإمارات، وقرأت وسمعت عنه في إندونيسيا وماليزيا. أقول ذلك تعليقاً على العمل الوثائقي الجميل الذي ظهر على شاشة العربية هذا الأسبوع، والذي تحدث عن هجرة الحضارم. كل الذين يعرفون الحضارم جيداً، يعلمون أن أهم طبائعهم، العمل بصمت، والبعد عن الأضواء، ولذلك فهم ورغم اهتمامهم بالتجارة، إلا أنهم لم يستفزوا السكان الأصليين لجهة استئثارهم بمال أو ثروة، دون أهالي البلد. لذلك كان من أمثال الحضارم الشهيرة، توجيههم لأبنائهم بالقول: "قع ذرّة تاكل سُكّر"، والمعنى، كُن نملة، لجهة حرصك ودأبك ومداومتك العمل بجد واجتهاد، بعيداً عن الاستعراض والتفاخر والزهو، لتكون نتيجة ذلك حصولك على السُكّر جزاءً على ما بذلته. لقد كان الوجود الحضرمي في السعودية على سبيل المثال ممتداً على مدار هجرات متفاوتة، بعضها امتد لما يزيد على مئة عام، وبات التغير الذي طرأ على السلوك الحضرمي ممثلاً بدعم بعض رجالاته لهذا الفيلم الوثائقي منحى لافتاً يجب أن يشجع، لاختلاف الزمان، وتباين الظروف من جيل إلى جيل. سعيد جداً، بهذا العمل، وبهذا التوجه، طالما هو يندرج ضمن ما قام به الحضارم في كل دولة توجهوا إليها بهجراتهم، وهو الولاء المطلق للبلد، على أن هذا الولاء لا يعني بالضرورة أن ينسى المرء جذوره، ولا أن يحاول القفز على تأريخه.