العناية بالصحة من جسد وعقل وروح أمر مهم للغاية إن كان الشخص يبحث عن عيش هذه الحياة كما ينبغي. ومع أن هناك فئة عريضة من مجتمعنا لا ترى ضرورة العناية الصحية اللصيقة أو الدقيقة في حالة عدم وجود مرض يهدد الحياة إلا أن هذا الاعتقاد بذاته هو أساس المشكلات الصحية المزمنة التي تطورت من أمر كان يمكن السيطرة عليه وأصبح الآن مرضا عضالا يهدد حياة المريض. ففي غالب الأحوال تأتي سيدات إلى المستشفى يعانين من مشكلات نسوية معينة كان يمكن الحد منها لو أن إحداهن زارت الطبيبة حالما شعرت بأمر خارج عن الطبيعة. ولكن مع هذا فنسبة الرجال الذين لا يفضلون زيارة الطبيب لدينا تفوق كثيرا نسبة النساء لأن النساء في الغالب يزرن المستشفى لأمور تتعلق بالحمل والولادة والإخصاب والرضاعة، فتتعرض إحداهن لتحليلات مخبرية تجعل من احتمالية اكتشاف مرض ما مبكرا أمرا أكثر يسرا من الرجل الذي يفضل الاعتماد على "رجولته" لتعالجه من مرضه. عدم زيارة الطبيب ليس فقط مقتصرا على الكبار بل هو أيضا أمر واقع في فئة الشباب الذين في الغالب حياتهم مليئة بالمسؤوليات التي تمنعهم من الاهتمام المناسب بأنفسهم. ووفق خبرتي في المجال الصحي لم ألاحظ عناية خاصة بهذه المشكلة الثقافية التي يعاني منها الكثيرون؛ فليست هناك خطة تثقيفية واضحة ولا خطة عملية تحاول تقنين مثل هذه الممارسات. من الأمور التي لفتت انتباهي حينما كنت في الولايات المتحدة وجود خطوط صحية ساخنة توفر النصائح الطبية من مختصين طوال الأربع والعشرين ساعة وتستمر طوال أيام الأسبوع. والجميل في هذه الخدمة المجانية أنها تحافظ على خصوصية المتصل من جهة ومن جهة أخرى توفر على الناس تعب زيارة المستشفى خصوصا في الأوقات الحرجة مثل منتصف الليل أو في الظروف الصعبة مثل سيدة مازالت في النفاس وتراودها شكوك حول مولودها ولكنها لا تستطيع أن تزور الطبيب. هذا إلى جانب أن هذه الخدمة تساعد كل من يعاني من عرض طارئ ويجهل تماما كيفية العناية بنفسه وليس لديه وقت أو جهد لزيارة طبيب أو ربما يشك في سمية دواء أو غذاء معين ويحتاج أن يعرف المطلوب عمله في هذه اللحظة. وحينما يتصل الشخص على هذه الأرقام الساخنة فإنه يتحدث أولا إلى ممرضة تأخذ تاريخ الحالة وطبيعتها ثم إن كانت تعرف التشخيص تقم بمساعدة المتصل وإن غابت عنها المعلومة فإنها تستخدم قاعدة البيانات الإلكترونية في الكمبيوتر التي يمكن لها من خلالها أن تبحث عن طبيعة الحالة والكيفية المناسبة للتعامل معها. عن طريق هذه الخدمة يقوم طبيب أيضا بالتواصل مع المتصل إن كانت الحالة تستدعي ذلك؛ وعلى أي حال فمن النادر أن يحصل هذا لأن الممرضات العاملات في هذه الخدمة على مستوى عال من التدريب والحرفية. إضافة إلى هذه الخطوط الوطنية المعروفة هناك أرقام مجانية تابعة لكل مستشفى يستطيع المريض المراجع لهذا المستشفى أن يتصل عليها ويأخذ النصيحة الطبية المناسبة، ويمكن عن طريقها طلب الطبيب المناوب أو الذي يراجع عنده. إن إنشاء مركز صحي وطني يعنى بهذه الخدمة المجانية سيكون له أثر عظيم على المستوى الصحي بأكمله؛ فهذه الخطوط الصحية الساخنة ستكون أكبر مساعدة لجميع شرائح المجتمع لدينا. فكم سيدة ترغب في زيارة الطبيب لكن لا توجد وسيلة مواصلات لديها، وكم من أب يعاني من مشكلة مزمنة لكن جدول عمله المزحوم ومسؤولياته الكثيرة تحول دون أن يعتني بصحته، وغير ذلك من الظروف التي تتكرر علينا جميعا وليس من الضروري أن تكون ظروفا استثنائية. إضافة إلى ذلك فهذه الخطوط عملية وسهلة التطبيق وهي بلا شك وسيلة رائعة لتوظيف الكوادر الوطنية لدينا. فهناك الممرضات والممرضون والأخصائيات والأخصائيون والأطباء المتعاونون ممن سيجدون في هذا العمل وسيلة لمساعدة الآخرين، إضافة إلى كونهم سيجدون عملا مريحا سيجني لهم مالا مناسبا. يمكن كذلك أن يوفر هذا المركز خطا ساخنا مختصا فقط بالتسمم بحيث يستطيع المتصل أن يجد النصيحة المناسبة لكيفية التعامل مع السم سواء كان ذلك دواء أو عضة ثعبان أو عقرب أو مادة كيماوية أو استنشاق لمادة نفاثة أو حرق جلد بمادة كاوية وغير ذلك مما يمكن أن يسبب حالة تسمم وصدمة تؤثر على حياة المريض. المهم في خط التسمم أنه يوفر الوقت الذي يعني هنا الكثير، فكون المصاب ينتقل من مكان الحادث إلى السيارة ثم إلى المستشفى ثم يقابل الطبيب فإن ذلك يأخذ وقتا كثيرا قد يكون كافيا لموته لا سمح الله، ولكن في حالة توفر هاتف طوارئ لمثل هذه الحالات فإن المصاب أو من معه يمكن أن يعرفوا فورا ما يستطيع المرء فعله حتى يتعاملوا بشكل صحيح مع السم فيؤخر مفعوله أو يبطله ثم يذهب المصاب للمستشفى وهو مرتاح البال. ثم إن الكثير من حالات تسمم الأطفال تحدث والأب أو الأبوان ليسا في المنزل فيصعب نقل الطفل في الوقت الحرج للمستشفى؛ فأحيانا تكون الأم وحدها مع الطفل والأب في العمل أو يكون كل من الأم والأب في الخارج والطفل مع الخادمة أو مع أحد أقاربه، وفي هذه الحالات جميعها لا توجد وسيلة مواصلات متوفرة؛ وهنا تظهر أهمية الاستشارة الطبية العاجلة. إن بلدنا ولله الحمد لا ينقصه قيادة واعية ولا موارد مادية، لذلك أتوقع أن ما يوجد في بلاد متحضرة من الأولى أن يتوفر لدينا هنا خصوصا أننا نعيش نهضة شاملة في جميع القطاعات.