لا أعتقد أن هناك نهضة تنموية على مختلف الأصعدة ممكنة دون وجود نماذج يتطلع لها الجيل القادم، تقدح زناد الطموح والتحدي، فهذا هو الوقود البشري الذي يغذي شرايين النهضة. وهذا الجيل بحاجة إلى الإيمان بأن إمكانية تحقيق الطموح ومعانقة الأحلام أمر ممكن، وإن خالطه الكثير من الصعاب، بل إن بعض الصعاب قد تكون موجهاً لاتخاذ القرار الأسلم. في محيطنا السعودي هناك قصص عصامية تثبت أن السعوديين البسطاء قادرون على إثبات وجودهم، واقتناص الفرص، وتذليل الصعاب. هذه القصص العصامية المحلية أعتقد أنها تستحق أن تكون مواضيع يدرسها الطلاب في مناهج القراءة لتذكي الطموح وتقدح زناد التحدي، ليس هذا فحسب، بل أقترح على منتجي الأفلام الوثائقية انتهاز فرصة وجود هؤلاء العمالقة على قيد الحياة-أطال الله في أعمارهم- لتوثيق مجريات حياتهم وتقلباتها والمؤثرات التي غيرت مجرى حياتهم. فهناك الوزير السباك والقهوجي، والملياردير الفقير في طفولته، والعصامي الذي بدأ ببيع البليلة أو السيارات القديمة...ولكن إن بقيت تاريخاً شفويا، ستندثر عبر الزمن إن لم يكن لها توثيق-كما طالب به الكاتب المتميز عبدالله المغلوث في أكثر من مقالة. صحيح أننا مجتمع حساس جدا من المدح، فخطوط الإشادة الموضوعية تتقاطع مع التزلف والمبالغات الممجوجة، ولكن هذا لا يعني أن يتم إغلاق هذا الباب تماماً.. يدعوني لهذه المقدمة، لقاء جمع طلاب بوسطن مع وزير البترول السعودي علي النعيمي. لأنه هو المسؤول عن متابعة ملف إنشاء جامعة الملك عبدالله للعوم والتقنية، فقد خصص الوزير أيام العطلات، يومين في الأسبوع، لمتابعة هذا البرنامج بشكل شخصي. من ضمن هذه المتابعة، يقوم معاليه بزيارة الجامعات الأجنبية، بما فيها الأمريكية، لتقصي سبل التعاون، ولبحث وسائل الاستفادة من تراثهم العلمي العريق، لسبر إمكانية الاستفادة من هذه التجارب في الجامعة القادمة. وكان من محاسن الصدف أن يتوقف في مدينة بوسطن، لبحث بعض الشؤون الأكاديمية مع جامعات المدينة ؛ وتسنى للطلاب السعوديين، في فترة الغداء، أن يحظوا بشرف مقابلته، بترتيب من مبتعثي أرامكو، يتقدمهم قلبهم النابض عبدالعزيز الفالح-دارس علوم الكمبيوتر في جامعة إم أي تي. وبعد عرض شيق عن ملف صعوبات ومراحل إنشاء جامعة الملك عبدالله، ذكرت أهمها في المقالة السابقة، شمل حديث الوزير مواضيع عديدة أخرى كان من أهمها فلسفته للنجاح، والتعامل مع الصعاب، التي أعتقد أنها تستحق التدوين والإظهار. الفكرة الخفية التي تنساب بسهولة في خلفية كل محاور حديث معاليه كانت هي أن الإصرار، الطموح، والإخلاص في بذل أقصى ما يملكه الإنسان من جهد هو وقود النجاح، وأساس التغلب على أية معضلة. يقول في طفولتي، يوم كان عمري 12 سنة، ربما في 1947، كان طموحي أن أتبوء مركزا وظيفيا مماثلا لمركز شقيقي المرموق، فشقيقي-رحمه الله- كان يعمل مراسلا، ينقل الأوراق من مكتب إلى مكتب - وكان هذا أقصى ما يمكن أن أحلم به، فيالها من أمنية! بعقلانية، وببذل الأسباب وببذل مزيد من الجهد، حدث بالفعل حدث أن احتل علي النعيمي، مكانة شقيقه، فأصبح مراسلا "أد الدنيا"... ولكن الطموح الذي يتمنع على صاحبه، ويتفلت من لجامه، فيقدح في عروق الرجل مقومات الترقي، دفعه لأن يستمر في تطلعه للأفضل، وكان هدفه هذه المرة - وقد ضمن وظيفة مراسل - أن يرتقي لأن يكون رئيس أرامكو - فماذا ينقصه ولماذا يحتقر ذاته؟ استشعر بحاسته "التاسعة" أن ارتقاء السلم لن يكون بدون حيازة مفتاحه وهو التعليم؛ فشمر عن ساعديه وارتقى الصعاب، ولم يتوقف إلا بشهادة الماجستير من أمريكا في علوم الهندسة من جامعة ستانفورد العريقة، ليتدرج بشكل تلقائي بعد هذا في مراكز وظيفية في أرامكو حتى ارتقى إلى منصب رئيس الشركة. حينها، يقول الوزير، أحسست أن أحلامي تحققت. ولكن، ليس بعدْ، فالإنسان لا يستطيع أن يتحكم بمفرده بمصيره؛ ففي إجازة قصيرة كان يقضيها في صيد السمك، في ولاية الاسكا الباردة جدا، يقول، جاءني اتصال من السعودية يقول تم اختيارك لتكون وزيراً للبترول. كان مترددا فلم يعط إجابة قاطعة، فمشاق صناعة البترول يعرفها جدا بحكم طبيعة عمله كرئيس لشركة أرامكو، فكيف إذا تضاعفت أعباؤها بزيادة العنصر السياسي. المهم أنه تابع إكمال صيد السمك ليتأمل الموضوع أكثر. في صباح اليوم التالي، وفي خضم صيده للسمك، كاد أن يفقد حياته، بسبب مناوشات غير ودودة من أحد دببة الاسكا العملاقة، التي تبلغ أوزانها حتى 300 كيلوغرام وتزيد، جائعا متربصا ،بحصيلة الوزير من الأسماك الطازجة. وهو يصيد السمك، خرج عليه دب قطبي من باطن الأرض يهمهم همهمة يعرف معناها كل من قاده حظه التعيس لأن يقف على بعد بضعة خطوات من حيوان مفترس لا يفرق بين السمك والبشر! قرقرة أمعاء الدب القطبي ولهاثه، بلا شعور، دفعا الوزير لرمي كل ما يملك من سمك نحو الدب، بكل احترام وتوقير، بل-ربما كبخشيش- قذف له بكل شيء يحمله سواء طعم السمك، أو السنارة، وكل شيء باستثناء جلده فلا يمكن انتزاعه؛ ثم بدأ بالفرار، أو بمعنى أكثر لطفا، بدأ في المناورة ومحاولة تغيير دفة المعركة، بحثا عن أي مرفأ يلتقفه، خشية أن تتناوشه أظفار هذا الدب وتمزقه أنيابه. يقول بعد أن وصلت إلى ساحل النجاة، وأنا التقط أنفاسي، ترسخ في ذهني شيء واحد فقط لا غير: "أروح أصير وزير أحسن من أن يأكلني دب". ملخص حديث الوزير - عبر هذه القصة وغيرها - هو أخلصوا في عملكم، وابذلوا كل ما تملكون، ولا تستعجلوا النتائج، فهي حتما ستأتي، بدون تخطيط وبدون سعي منكم، ومهما كانت الصعاب حتى لو كان دب قطبي .. كثيرا ما نسمع - بحق وبدون - عن المحسوبيات وعن مطبات صناعية تحول دون الترقي في المراكز الوظيفية، وهو أمر قد يكون صحيحا في بعض الأحيان، والأصح منه كما تقول قصة النعيمي، أن تسلق السلم الإداري ممكن حتى وإن وجد من يحاول أن يرميك منه، والرسالة الأهم، هو أنه يجب أن يتم دفع الثمن؛ ثمن حقيقي من جهد وعلم ومهارة. ختاما، رغم تقدم العمر، يبقى معالي الوزير، مشتعلا همة وتألقا، روحا وجسدا، ما شاء الله تبارك الله، فمعالي الوزير يشكل صداعا مزمنا للصحفيين الشباب والكهول، فالتصريح الصحفي ثمنه الجري معه لمسافة أربعة كيلو مترات أو تسلق الكثبان الرملية في حقل شيبة، وهو أمر أحمد الله أن نجانا منه، وإلا، ربما لاستحالت كتابة هذه المقالة. ختاما، هلا خلدنا مثل هذه القصص، وأبرزنا مثل هذه النماذج ليقدحوا شعلة التحدي؟ * كاتب سعودي