نعرف أن حداثة التجربة لا تتيح للجمعية الوطنية لحقوق الإنسان مواكبة وتلبية التطلعات الضخمة المتشعبة للمجتمع، خصوصا وأن المبدأ أو المفهوم لم يكن مرحبا به لدى بعض الفئات لأسباب مختلفة تتذرع مجالس بما ليس له صلة بحقيقته، ومع ذلك فقد جاء التقرير الأول للجمعية الذي نشرته الصحف يوم الاثنين الماضي شجاعا وشفافا وملامسا لكثير من القضايا الجوهرية، ولعل هذه المبادرة تشفع للجمعية مقابل النقد الذي تعرضت له في الفترة الماضية، وربما تشير بشكل غير مباشر لطبيعة المصاعب التي واجهتها. لقد كنا في حاجة ماسة لجهة نظامية وقانونية تتحمل مسؤولية التصدي لكثير من القضايا والمشاكل المتراكمة التي لم يكن ممكنا كشفها والتعامل معها، فمن ناحية لا يعرف الناس طبيعة حقوقهم حتى يسألوا عنها، وإن عرفوا شيئا منها لم تكن توجد جهة تتبناها وتدافع عنها. ومن ناحية أخرى لم يكن من مصلحة بعض العارفين لهذه الحقوق تعريف الناس بها لأن ذلك سيقلص حجم مكتسباتهم المعنوية أو المادية القائمة على تجاوز وانتهاك تلك الحقوق، كما لا ننسى تأثير ذلك على نفوذ وهيمنة الوصاية التي تقرر بمشيئتها ما هو مستحق أو غير مستحق من خلال توظيف خاص لبعض الجوانب الدينية أو مفاهيم الطاعة والواجبات التي تصبح فضفاضة جدا بسبب هذا التوظيف. لم تكن معظم مستويات المسؤولية بأصنافها المختلفة قابلة أو معرضة أو خاضعة للمساءلة إلا في أضيق الحدود وبأساليب لا تضمن تحقيق نتائج مرضية. صلاحيات مطلقة غير قابلة للمساءلة أو حتى المراجعة مهما كانت سلبية الممارسة ومجانبتها للحق، لرب الأسرة، رب العمل، المسؤول في أية مصلحة وإدارة، جهات سن الأنظمة والقوانين، القضاء، مواقع الضبط والتحقيق، وغيرها وغيرها، ولذلك يكون مفهوما عدم تقبل واقع جديد مختلف يعيد النظر في السائد ويقتحم حدودا استمرت محصنة ليطالب المحتمين بها بالخضوع للمساءلة حين يحدث منهم ما يوجبها بالشكوى أو بالملاحظة والرصد، ومن الطبيعي عندئذ ظهور مقاومة لهذا الواقع الجديد بأكثر من صيغة وأسلوب، وبالتالي لن تكون المهمة سهلة لجمعية ناشئة تخوض في هذا المجال الحساس وفي عدم وجود ما يكفي من أنظمة فعالة تساعدها على أداء المهمة. لقد تحدث التقرير عن شؤون كان يصعب الحديث عنها، ولامس ما كان محظورا الاقتراب منه، وطالب بما لا يجرؤ فرد على المطالبة به سابقا، وكشف عن ممارسات خاطئة لم يكن بوسع أحد كشفها وإعلانها، ولكن لن يتقدم أداء جمعية حقوق الإنسان ولن يستفيد المجتمع كثيرا إذا لم توجد أنظمة تساعدها على التأثير وتضمن لها الحماية وتكفل أن لا أحد يتجاوزها أو لا يعبأ بها.