كنت ضيفا على حلقة من برنامج "حديث الخليج على قناة الحرة" الذي يقدمه زميلنا الدكتور سليمان الهتلان حول الجهاديين السعوديين في نهر البارد. الحلقة من وجهة نظري كانت ضرورية لشرح الكثير من المواقف الفكرية حول مسألة الجهاديين السعوديين الذين يشاركون في الخارج وأعتقد أن معدي البرنامج كان يهمهم مناقشة الظاهرة بطريقة تحليلية تعكس أهمية الوقوف حول الرقم المشارك من السعوديين في ساحات الجهاد على مستوى العالم. الفكرة كما أراها تخرج عن إطار أصول الجهاد الشرعية كما كان يروج له إبان الغزو السوفيتي لأفغانستان، حيث كانت التجربة الأولى تجربة تلقى الدعم الكامل من البيئات المحلية والعالمية. تجربة أفغانستان كانت تأسيساً لفهم الفروقات بين خطاب الجهاد النظري المستمد من التراث وبين واقعية التطبيق، الخطاب الجهادي كان يستخدم المعارك التاريخية بأدواتها التقليدية لشرح تفاصيل عمليات الجهاد التي كانت تجري في أفغانستان وكان يحرص على تصوير النتيجة النهائية للمجاهد بينما لم يكن يصف المعركة الحقيقية، حيث الرصاص وأصوات المدافع التي يقدّم فيها الفرد نفسه للموت. هذا الوصف المبتور جعل الذين يذهبون إلى أفغانستان في ذلك الوقت ينقسمون إلى قسمين، القسم الأول: اكتشف أن الواقع الحقيقي للمعارك على الأرض ليس سهلا كالدروس أو الأفكار النظرية التي تصور له حالة الجهاد والاستشهاد ولذلك السبب فهو إما أنه تراجع وعاد إلى وطنه أو أنه بقي مجاهدا من أجل تقديم الخدمات اللوجستية للمجاهدين فقط ولكن هذا النوع من الجهاديين تعلم الكثير من فنون المعارك بالمشاهدة وليس المشاركة، القسم الثاني: شاركوا وقتل منهم الكثير. هذه النتيجة للجهاديين الذين ذهبوا إلى أفغانستان مهمة لفهم ما تلاها من آثار لتلك الأعداد التي خلفتها أفغانستان والتي ساهمت في استمرار الحياة للفكر الجهادي وعدم قطع صلته بالمجتمع، حيث تم بناء مجال تنظيمي وتحولت القضية برمتها إلى منهج تجنيد ولكن على الطريقة الجهادية التي استطاعت أن تؤسس لفكرة التجنيد للاستشهاد باستخدام أدوات تراثية معروفة من أهمها "إقامة الخلافة الإسلامية" الشرارة الكبرى في إشعال فتيل الجهاد. وبعد فناء قضية أفغانستان في جانبها الجهادي توالت الأفكار التي تحرم الجهاد هناك بعدما تم الإعلان بأن "اللعبة انتهت"، صحيح أن اللعبة انتهت في جانبها السياسي ولكن القضية لم تكن معسكرات بنيت فقط وسوف تتم إزالتها وينتهي كل شيء، هناك قضية كانت تمثل الجانب المعقد في قضية التجنيد تحت مسمى الجهاد ألا وهي قضية العقول التي تم بناؤها فكريا، تلك العقول لم تكن كالمعسكرات يمكن هدمها في دقائق أو ساعات. لقد بقيت العقول والمجتمعات التي شاركت في أفغانستان تتنفس النصر تحت مظلة الجهاد والاستشهاد وتحت نشوة الكرامات والقصص الخيالية عن الشهداء وليس تحت مظلة اللعبة السياسية التي كانت تدير المعركة من أساطيل بعيدة عن أرض المعركة. عندما انتهى الجهاد في أفغانستان كانت الجرعة الفكرية التي تلقاها الجهاديون كبيرة جدا إلى درجة أنها جرعة فكرية لا يمكن للمجتمع أو للفكر السائد اجتماعيا تسييلها على طريقة "مانعات الصواعق". المعادلة الفكرية كانت عميقة وذات تجربة واقعية يصعب نسيانها، ولذلك ظلت مختبئة في العقول ويتم الترويج لها بطرق سرية أحيانا مع أن الكثير منها كان يروى على شكل بطولات. بعد الأحداث السبتمبرية الشهيرة لاحت في الأفق مؤشرات لإعادة إحياء فكرة الجهاد بين الشباب ولكن هذه المرة بطريقة أكثر حذرا من جانب الجهاديين، فيما يخص السياسة الدولية التي اعتبرت مسؤولة عن مرحلة أفغانستان. المعالجة الأرضية للفكر الجهادي لم يتم فيها أي تقدُم، فقد كانت منهجية الطرح الجهادي على المستوى الاجتماعي تمارس نفس الأساليب الدعائية للجهاد، كما كان يحدث في أفغانستان تماما ولم يتغير شيء وكأن الحدث الأفغاني الداعم للجهاديين الإسلاميين موجود بل ويحظى بالأولوية في البيئات الاجتماعية على مختلف أنماطها. اتضح أن الفكر الاستشهادي يتمسك بمنهجية خطيرة وليست عفوية تنتهي بانتهاء الحدث، فلقد كان التأسيس للفكر الجهادي في المجتمع متجاوزا قضية أفغانستان بمراحل وهنا انكشف المخططون لهذه اللعبة من داخل المجتمع وخارجه، لقد كانوا خلف الكواليس طوال الأزمة ولم يكن أحد يدرك مخططاتهم ولكنهم استطاعوا أن يحولوا البيئة الدينية للمجتمع من بيئة ساكنة تمارس التدين وفق ظروفها الاجتماعية إلى بيئة متحركة تمارس التدين بطريقة مؤدلجة لها أهداف مرسومة. عندما عاد البعض وليس الكل من أفغانستان تحول المجتمع إلى ساحة للتجارب العسكرية التي تفرقت داخل المجتمع، إما بالاندماج والعودة إلى الحياة الطبيعية أو بالتخطيط لأهداف أخرى، وقد ساعد هذه الفئات في مخططاتها أحداث سبتمبر ومقدماتها مثل تفجير بعض السفارات الأمريكية. هذه الأحداث بالإضافة إلى التطورات السياسية العالمية وبداية نشوء الأزمة العراقية أوجدت تناسبا طرديا بين تصعيد الأحداث في المنطقة العربية وخصوصا "العراق" وبين تكثيف أنشطة تلك الجماعات الجهادية، لذلك كان من السهل أن تكتشف أن تلك العلاقة الطردية تشكل حقيقة سياسية وذلك من خلال الاطلاع على الرقم من الجهاديين السعوديين الذين شاركوا في العراق منذ بداية الأزمة وحتى الآن. المشكلة التي واجهت الجهاديين في العراق أن العدو الواحد أصبح عدة أعداء، فالمذهبية والقومية والحزبية السياسية والجيوش القادمة من الخارج كلها ساهمت في فقدان الهدف ومع ذلك فقد كان من المنطقي أن يتم اختيار الأعداء وفق قاعدة دينية مذهبية استهدفت الجيش القادم من الخارج والمذهب المختلف، وليس وفق قاعدة سياسية تحتم على جميع المختلفين التكاتف في سبيل إخراج الجيش القادم من الخارج إلى أرض العراق. هنا يعيد التاريخ نفسه ليكتشف الجهاديون أن أرضهم الجديدة تحكمها لعبة سياسية لا تكاد تختلف عن تلك التي كانت في أفغانستان وكان الأقرب إليهم لبنان الذي يعيش ظروفا أمنية تسمح لهؤلاء بالتسلل إلى داخل الأرض اللبنانية والإقامة فيها. هذا التكاثر والتنقل وعدم الكلل من البحث عن أرض جديدة للاستشهاد يطرح السؤال من جديد: أين منابع التجنيد الفكري لهؤلاء...؟ وهل مازالت تتدفق شلالاتها...؟ الجواب بسيط ولا يحتاج إلى نفي أو إثبات، فالطريقة الفلسفية للإجابة على هذا السؤال تقول "إن دلالة الأثر تعني دلالة الوجود"، بمعنى آخر إن اكتشاف تلك الأعداد من الجهاديين ومن جيل يعتبر في الواقع حديث الولادة بالنسبة لجيل أفغانستان يثبت أن تغذية محددة وبطريقة دقيقة تمارس دورها في المجتمع لكسب المزيد من الأتباع. المجتمع يجب ألا يجزم بأنه يتحكم بمسيرة الفكر بين أبنائه، فهناك الكثير من التقاطعات غير الواضحة في الفكر الاجتماعي، كما أن القضية الأخطر أن الفكر الجهادي والمؤيدين له استطاعوا أن يحولوا صفة الطبيب المعالج للقضية والمتمثل في الإعلام والمثقفين والكتاب إلى صفة عدائية. الفكر الاجتماعي إذا أصيب بمرض فطبيبه المفكرون والكتاب وأرباب الثقافة والمؤسسات التعليمية والثقافية، فهؤلاء هم الذين يقومون بالدور المفترض لتشخيص المرض ووصف العلاج. في مجتمعاتنا تحول الطبيب الفكري إلى عدو لا يسمح له حتى بمزاولة مهنته، بل نجح الفكر الجهادي ومعاونوه في صرف الأنظار عنه عندما بدأوا باتهام الطبيب الفكري بأنه عميل مزدوج للأفكار والسياسات العالمية. لقد نسي مؤسسو الفكر الجهادي أن المجتمع لديه جسد مكتمل العناصر كالبشر فإما أن يقاوم المرض أو يصاب به، فأخطر الأمراض الاجتماعية وأكثرها تأثيرا الأمراض الفكرية.