تعاطفت كثيرا مع ما طالب به أحد أعضاء مجلس الشورى الأسبوع الفارط من وقفة جادة وحازمة من المجلس في أعقاب تعريض المسلسل الرمضاني الأكثر شهرة وضجيجا في مجتمعنا هذه الأيام طاش ما طاش بمجلس الشورى.. ويعلم الله أنني تألّمت كثيرا لحجم الضرر الفادح الذي استشعره عضو المجلس من جراء عرض تلك الحلقة التي قزّمت كثيرا من صورة المجلس ونظامه وأعضائه وبشكل لا يليق، وربما نال من هيبة الدولة في المجتمع.. بل إنني لا أبالغ إن أنا قلت بأنني يعلم الله أستوعب كل الأبعاد المنظورة والخفيّة التي وردت في مداخلة عضو المجلس جملة وتفصيلا، وأتفهّم جل ما جاء على لسانه من دفوعات تجسّد روح المواطنة المسؤولة التي من الضروري أن تترسّخ في وعينا الجمعي ولا تغيب عنّا للحظة عندما يتعلّق الأمر بمؤسسات الدولة الكبرى التي يجب أن تكون بمنأى عن تناولات العبث الإعلامي والمجون الدرامي والفني الآخذ في التطاول اليوم على مكتسبات البلد ومنجزاتها المؤسّسية.. بحق لا جدال في أن أطروحة عضو المجلس، وإن بدت للبعض هنا غير ذات بال ولا تستحق وقفة محاسبة من المجلس المهموم بقضايا تشريعيّة ورقابية بحجم البلد، إلا أنها وايم الحق مسألة بالغة الأهميّة خاصة وأنها تتعلّق بصورة المجلس الذي أصبح بمثابة الجدار القصير مؤخرا لمتسلّقي الصحافة وأنصاف وأرباع المستصحفيّن وإعلاميي الغفلة ممن وجدوا ضالتهم في مجلس الشورى الذي ما انفك يفتح ذراعيه بلا حدود للنظام الإعلامي في البلد منذ ما يقارب العامين تقريبا.. بطبيعة الحال، لم تحظ دعوة العضو بتأييد المجلس ولا رئيسه الذي جاء رده هادئا متوازنا وعقلانيا بدرجة تنم عن وعي متجاوز بكل تأكيد لطبيعة عمل الإعلام وعلاقته بمجلس الشورى، انطلاقا من مبدأ الشراكة في المسؤولية الاجتماعية للبلد.. وهذا طرح أيضا لا نختلف حوله كثيرا، على الرغم من أنني أتفق مع عضو المجلس في مطالبته دونما أي تحفّظ.. فمجلس الشورى اليوم ومنذ فتح جلساته للتغطية الإعلامية في العامين الفارطين وهو يتعرّض لحملة شرسة من كتّاب الرأي والمعلقين والمراسلين التلفزيونيين والصحفيين ممن أصبحوا بين يوم وليلة إعلاميين نيابيين لا يشق لهم غبار في البلد.. وكل هذا على حساب المجلس للأسف الذي أشغل بطروحات مشوّهة لأدائه وآليات عمله ونظامه الرقابي والتشريعي في المجتمع، للدرجة التي أضرت كثيرا بجهود وعطاءات المجلس وأعضائه وبشكل محبط للأسف ومعطّل لكل توجّهات طليعيّة وتطويرية لأدوار ومهام المجلس في منظومة رسم السياسات العامة للبلد. قد لا أكون ممن يفهم في النقد الدرامي، ولعلي آخر من يفهم أيضا في حرفيات الأعمال الفنيّة /الإعلامية التي تجعل من الواقع الاجتماعي بؤرة لبضاعتها الجماهيرية دراميا أو كوميديا، ولكنني أفهم أن الإعلام بالمجمل ما هو إلا عملية تجسيد للواقع الاجتماعي المعاش في أي مجتمع.. وأفهم أن للإعلام وظائف وأدواراً اجتماعية وفردية بالغة الأهمية لتنمية المأسسة في أي مجتمع.. كما وأنني لا أجهل قدرات النظام الإعلامي على إعادة تشكيل الواقع الجمعي برمته من خلال عمليات الإخبار والتنوير والتثقيف والتعليم والتصحيح لمسارات الوعي التنظيمي والأدائي المؤسسي للمجتمع الجماهيري في أي بقعة من هذا الكون الفسيح/المفتوح ثقافيا واقتصاديا وتنظيميّا بلا حدود.. ولكن، وفي نفس الوقت، أتحفّظ هنا كثيرا على حالة النضج المهني والأداء الاحترافي لنظامنا الإعلامي إجمالا، ومنهجيّة التعاطي غير المرشّد مع جهاز نيابي خطر وشديد الحساسية بالنسبة لصياغة السياسات العامة للبلد!! أنا هنا أرجو من إخوتي وأخواتي الإعلاميين تقبّل هذه الحقيقة المريرة عن أدائهم نيابيا.. وأتمنى من مؤسسات الصحافة ومحطات التلفزة استيعاب ما جاء في مطالبة عضو مجلس الشورى بضرورة وضع حدّ لممارساتهم الإعلامية النزقة والسطحيّة والجوفاء تجاه أعمال وأنشطة المجلس.. بل يعلم الله أنني كنت أتمنى من عضو المجلس أن يتقدّم بمقترح قانون مكتوب لمحاسبة الإعلام في البلد، وهذا أقل الممكن في هذا السياق.. بل إنني أؤمّل في أن يخطو مجلس الشورى خطوات جادة في قانون محاسبة الإعلام هذا لوقف مسلسل التسقّط لأداء أعضاء المجلس والتصوير الكرتوني للأسف لطروحات الأعضاء ومبادرات المجلس من وقت لآخر للتفاعل مع مستجدات واقعنا الحياتي اقتصاديا وتنظيميّا وشعبيا..فاليوم طاش وغدا ما طاش وبعد غد ما يطلبه الجمهور وهلم جرا، لينتهي الحال بالمجلس للركض فيما لا طائل من ورائه إما تصحيحا أو تفنيدا لمعالجات مجنّحة أو مغلوطة بين يوم وآخر من تحت رأس إعلام يحتاج لخارطة طريق حقيقية لولوج عالم الإعلام النيابي الحقيقي.. كيف يمكن بلورة قانون لمحاسبة النظام الإعلامي هنا؟، هذا ما سأتطرّق له في مقالتي القادمة..