فاطمة الجفري تكتب برئتها، وتتنفس من أصابعها. اكتشفتها لأول مرة في عدد (يوليو/ أغسطس) عام 2006 في مجلة القافلة، وهي تقرأ رواية جودي بيكولت "حافظة أختي". لغتها عذبة. جملها كانت قصيرة ومفخخة. وسردها حافل بالخير. عندما سألت رئيس تحرير القافلة الزميل محمد العصيمي عنها اكتفى بقوله إنها "مفاجأة سارة حملها بريد قراء المجلة". كميل حوا، الذي يحمل أصابع من يشاهدها يعلم أنه سيذهب ليرسم أو يكتب قصيدة بها، يناديها بـ"خالتي" رغم أنها بعمر ابنته ولم تنجبها شقيقة أمه. فاطمة أكبر مضللة للقارئ. عندما تقرأ لها ستحسبها تسبح في بحر الستين، في حين لا يتجاوز عمرها 25 عاما. كل مرة أقرأ لها نصا كتبته أو ترجمته أدعو لوالديها العم محمد وحرمه متضرعا: "اللهم ازرع في وجهيهما ابتسامة لا تذبل، وفي جوفهما فرحا لا ينام" لأنهما أنجبا هذه السيدة الصغيرة التي تحمل بين ضلوعها موهبة لا تقدر بثمن. فاطمة ليس لديها أصابع دافئة فحسب بل لديها أب دافئ وحنون، يغمرك بحبه قبل أن يعرفك. هذا الأب الذي سمعت صوته ثلاثا يذكرني بصوت جدي الذي تتدفق معه رائحة الهيل والنعناع. العم محمد لا أعلم عنه إلا أنه والد فاطمة ويعمل في مركز المعلومات في صحيفة عكاظ لكن أؤمن أنه يمتلك خصال أبي. يدخل المنزل عصر كل يوم متأبطا سبع صحف، و4 أكياس خبز، وابتسامة موزعة على وجنتيه وثغره. فاطمة لم تخطط أن تكون صحفية، بل خططت أن تصبح معلمة لذوي الاحتياجات الخاصة، حيث درست "تعليما خاصا" في كلية دار الحكمة، ولكن أصابعها ورطتها في الكتابة وصرفتها عن تحقيق حلمها في التدريس بعد أن غمرها والدها بالحروف. أكثر ما يلفتني في فاطمة هو إخلاصها. فهي أنفقت أكثر من 72 ساعة لترجمة فصل واحد من رواية بيكولت التي تطرح أسئلة شائكة تتعلق بتطوير التصميم الجيني ومتفرعات الهندسة الوراثية. هذه الرواية تحتاج إلى تركيز عال وتقنيات عديدة. اختيار المواضيع والإخلاص الذي ترتكبه فاطمة يسعدنا نحن معشر القراء لأنه يأخذنا إلى التفاصيل التي ندير ظهرنا لها دائما. بعض الصحفيين ينزحون للأسهل ويعيدون إنتاج نفس المواد على نحو ممل ورتيب، على نحو يثير الذعر والحنق معا. لا يقرؤون سوى موادهم متناسين أن الصحفي الحقيقي هو الذي يقرأ ويقرأ ويقرأ دون أن يشبع. فاطمة ليس كذلك، فهي مهووسة بالقراءة باللغتين. تجد فيها متعة حقيقية لا تجاريها أي متعة. فالقراءة أثرت مخزونها اللغوي والمعرفي وزادت من رصيد محبيها وقرائها. وجعلتها أكثر وعيا بما يدور حولها. وتعتني فاطمة بتقاريرها الصحفية كما تعتني الأم بأطفالها، تحممهم، وتطعمهم، وتهدهدهم فنحبهم. تقول الصحفية سلوى صالح الجميل عن فاطمة التي تحبها ولم تلتقها قط: "حرفها يشرح صدري، ويحفزني كالأطفال تماما. لا تود أن تفارقهم، وتحن إليهم دائما". لا تتعاطى فاطمة العمل الصحفي كمهنة بل كشغف وسلوك تلقائي مما انعكس على أدائها وتطورها الملموس الذي يلحظه المتابع لما يخطه يراعها. هي أيضا، لا تتحدث إلا لماما، كأنها أودعت لسانها في قلمها وأغلقت عليه وجعلته يتدفق حبرا. يجب أن نحتفل بهذه النماذج المشرقة التي ترتدي الصمت ولا تستهويها الأضواء الساطعة والمثيرة. يجب ألا نكتفي بالتصفيق لها خلسة، بل أمام الملأ، كل الملأ. لا أعتقد أنكم ستعثرون عليها سريعا لكن عندما ستكتشفونها لن تهدروها. أثق في ذلك. فاطمة لم تدخل الصحافة بالواسطة بل دخلتها من باب بريد القراء الواسع. هذا البريد الذي يكتنز في جيوبه أكثر من "خالتي فاطمة" لو أعرناه اهتمامنا وحواسنا.