10 أيام لم ينم فيها "فهّودي" إلا لماما.. ما بين الفينة والفينة يرتدي ملابسه ويخرج من غرفته في فندق "الهوليدي إن" بفرجينيا في ضواحي واشنطن بالولايات المتحدة الأمريكية، ويتجول في الشوارع المحيطة ويتفحص الوجوه لعله يرى تلك الفتاة الجذابة البشوشة الآسرة التي أخذت قلبه معها منذ ابتسمت له وحيته بإشارة من يدها، وقالت: هاي.. هاي. مر الآن على قدومه للولايات المتحدة الأمريكية مبتعثاً لمواصلة الدراسة الجامعية 20 يوماً، وقد كان على وشك أن يتأقلم ويستأجر شقة صغيرة وينتظم في الدراسة حين خرجت له تلك الفتاة، فتغير كل شيء، وأصبحت هي شغله الشاغل. يا للصدف العجيبة.. في ذلك اليوم المشهود كان في طريقه ليستأجر الشقة، وكان قد بقي على الموعد ساعة، فلاحظ وجود حديقة صغيرة وجميلة قرب الفندق، فأخذ كتاباً ودخل الحديقة ليجلس فيها ويقرأ بعض الوقت على الطريقة الأمريكية حتى يحين الموعد، وحين دخل الحديقة لاحظ وجود ما هيئ له أنه مجسمات رخامية، وبجانبها كراسي مستطيلة رخامية بلا مساند للظهر، فاختار أقربها للشارع ولمضمار المشاة الذي يخترق طرف الحديقة، وجلس فيها ووجهه للشارع وظهره للمجسم القريب، وشرع يقرأ. شاهد بعد قليل فتاة رشيقة ترتدي لباساً رياضياً "بلوزة وشورت قصير" تركض في مضمار المشي، وحين أصبحت في موازاته ابتسمت له وحيته بإشارة من يدها وهي تقول.. هاي.. هاي.. فعقدت الدهشة لسانه و"حملق" فيها، ولم يستطع حتى تحريك يده ليرد تحيتها، ثم تابعها بنظره وهي تركض وهو في حالة عدم توازن حتى اختفت. ثم بدأ قلبه يخفق... لماذا حيته وابتسمت له واهتمت به بذلك الشكل؟ أمه قالت له يوماً إنه وسيم.. فهل وسامته هي التي جذبتها له بكل تلك القوة للحد الذي جعلها تبادر بالإفصاح عن مشاعرها ابتداء مع أنها فتاة؟ وبدأ يفكر.. والكتاب مفتوح... لكنه لا يقرأ.. انشغل فكره تماماً ببداية عشق جارف. ومر الوقت سريعاً وهو سارح شارد خلف الفتاة.. ثم فجأة بعد نصف ساعة تقريباً رأى الفتاة تعود راكضة كما كانت.. وخفق قلبه بقوة.. وحاول السيطرة على مشاعره وهو في حالة ارتباك واضحة.. ثم فجأة ابتسمت له مرة أخرى، ولكن بشكل أكثر حرارة وبدت أسنانها البيضاء الجميلة، وأشارت بيدها نحوه وقالت بالطريقة نفسها.. هاي.. هاي.. أيقن "فهّودي" أن الفتاة وقعت في حبه.. وتأكد أن وسامته الآسرة قد جذبتها.. ها هي رجعت.. وابتسمت له بطريقة أكثر حرارة.. وها هي، وهي الفتاة، تبادر.. فما معنى هذا إن لم تكن قد أحبته...؟ أراد أن ينهض ويتبعها، ولكنه انتبه وقال لنفسه.. لا.. لا.. إثقل لتحبك أكثر.. وتنجذب أكثر.. وانتظر ساعة.. وساعتين.. ونسي الشقة التي سيستأجرها.. وانتظر ساعة ثالثة، ثم رابعة.. وحل الظلام.. فنهض وذهب إلى الفندق وهو يتطلع يميناً وشمالاً لعله يرى الفتاة.. وبقي في الفندق بعض الوقت، ثم خرج وظل يذرع الشوارع المجاورة بحثاً عن الفتاة، ولكن بلا فائدة. في اليوم الـ11 لبداية عشقه ذهب إلى "السوبرماركت" المجاور.. وفجأة رأى الفتاة.. يا للسعادة.. إنها هي.. كم هي جميلة وجذابة بتنورتها القصيرة وبلوزتها المفتوحة الصدر.. وارتبك.. ولم يعد يدري ماذا يفعل..! وبدون شعور أخذ سلة التسوق واتجه نحوها حتى أصبح بجوارها.. ومرة أخرى قال لنفسه.. إثقل.. إثقل.. ولاحظ أنها ألقت عليه نظرة عابرة، ثم لم تعره اهتماماً كأنها تراه للمرة الأولى.. واستغرب.. ما هذا..؟ غير معقول..! واقترب منها أكثر.. ثم احتك بها بشكل خفيف.. فنظرت نحوه وقالت.. سوري.. ثم ابتعدت.. وواصلت التسوق غير مكترثة بالمرة.. فأصيب بخيبة أمل كبيرة.. لماذا تجاهلته بعد كل ذلك الحب الكبير..؟ وحاول أن يلفت نظرها مرة ثانية وثالثة، ولكن بلا فائدة.. ثم خرجت وأصيب بحالة ذهول.. ولم يكمل التسوق.. ووضع السلة في مكانها وانصرف لغرفته في الفندق.. وحزن كثيراً.. ثم تحول حزنه إلى اكتئاب.. ثم إلى اكتئاب شديد. بعد عدة أيام، زاره قريبه "سامي" طالب الدكتوراه ليطمئن على أحواله، وحين وجده على تلك الحال الصعبة سأله عن الحكاية، فحكى له "فهّودي" كل شيء.. فضحك سامي وقال له.. كّلنا هنا نقول لبعضنا.. هاي.. هاي.. حتى البنات يفعلن ذلك.. هذه طبيعة الشعب الأمريكي.. فقال "فهّودي" صحيح..؟! قال "سامي" صحيح. فهودي: لكنها قالتها مرتين.. وابتسمت في المرة الثانية بحرارة أكثر.. وكانت ترفع يدها وتشير لي بيدها. سامي: تشير بيدها..؟ إلى ماذا..؟! فهودي: إليّ. سامي: إليك.. لماذا..؟ فهودي: لا أدري. سامي: أين كان كل هذا..؟ فهودي: في الحديقة المجاورة. سامي: في الحديقة المجاورة..! أي حديقة.. لا يوجد هنا حدائق. فهودي: بل يوجد.. إنها في الشارع المجاور على اليمين.. وكنت أجلس على أحد الكراسي الرخامية فيها ووجهي باتجاه الشارع وظهري باتجاه أحد المجسمات الرخامية. حينئذ غشيت سامي موجة ضحك شديدة، فاندهش فهودي وقال ليه تضحك..؟ فقال سامي هذه مقبرة وليست حديقة. فهودي: مقبرة.. لا..لا.. إنها حديقة. سامي: بل مقبرة مزروعة بالنجيل والأشجار، وهذه التي قلت إنها مجسمات رخامية هي المقابر، والكرسي الذي جلست عليه مخصص للقبر المجاور يجلس عليه زوار القبر، وتكون وجوههم للقبر وأنت جلست بطريقة معاكسة، وتقرأ أيضاً، فأدركت الفتاة من هيئة جلوسك وكونك تقرأ أنك غريب وغير مدرك للأمر فنبهتك بأدب بالطريقة الأمريكية.. وحسبت أنها أحبتك و"طاحت في دباديبك" وواصل ضحكه، ثم قال.. يا لها من حكاية طريفة. بدا فهودي مذهولاً وهو يردد.. مقبرة.. مقبرة.. وتذكر مقبرة "العود" بالرياض حين اشترك في دفن جدته.. حينها كان الجو حاراً والرياح قوية.. وموجات من العواصف الترابية تعبث بتراب المقبرة.. وحين بدأ المشيعون يهيلون التراب داخل القبر ارتفع الغبار عالياً فوق القبر وفوق الرؤوس حتى لم يعد أحد منهم يرى الآخر.. تذكَّر كل هذا.. وهو ما زال يردد.. مقبرة..! مقبرة..! معقول.. ثم تذكَّر الفتاة.. فغشيه الضحك الشديد.