يقولون إن "قيسا" خاطب "ليلى" التي في العراق لحاجة في نفسه، أما أنا فخطابي إلى "ليلى" التي تكتب في صحيفة الوطن لحاجة أرجو أن تنفعها وتستفيد منها. الزميلة ليلى الأحدب كتبت مقالاً تحت عنوان "لماذا نحول ديننا إلى دين كره لكل مختلف عنا؟ " وقد لاحظت أن أموراً أساسية في ديننا قد التبست عليها، وأنها أكثرت من اتهام المناهج الدراسية بتعليم أطفالنا كراهية الآخرين وأن هذا النوع من التعليم مخالف للإسلام المتسم "بالتسامح"، كما أنها ـ أيضاً ـ تحسرت على ضياع أوقات بعض الأسر السعودية في إزالة ذلك الكم الهائل من الكراهية عند الأطفال، وطالبت بتخليص المناهج من هذه المسائل "البغيضة" حتى يعم التسامح وتصبح علاقتنا مع غير المسلمين "سمن على عسل". وابتداءً فإنني أتفق مع الزميلة "ليلى" على أهمية التسامح بين أصحاب الأديان المختلفة والمذاهب المختلفة في إطار الدين الواحد، لأن الدين الإسلامي هو دين التسامح، ولكن ـ هذا التسامح ـ لابد له من ضوابط، وهذا التسامح ـ أيضاً ـ لابد أن يكون من كل الأطراف، وفوق هذا وذاك فإن التسامح الذي أتمناه لا يمنع من تسمية الأسماء بأسمائها كما وردت في ديننا، وهذه التسمية المباشرة يجب أن نعتز بها لأنها ليست من اختراعنا بل هي تعليمات ربانية ليس من "صلاحياتنا" إهمالها والتنكر لها بحجة أن "الآخر" قد يسيء فهمها لأن إساءة فهمه قد تكون بسبب عجزنا عن إيصالها إليه بصورة صحيحة. الزميلة "ليلى" أطنبت في الحديث عن الأشياء "السيئة" التي يتعلمها الأطفال في المدارس وهي زرع كراهية غير المسلمين في نفوسهم مع أن معظم هؤلاء من العلماء الذين يستفيد منهم المسلمون في معظم شؤون حياتهم. الشيء الذي أود أن تعرفه "ليلى" أن من واجب المسلم كراهية عقيدة غير المسلمين، وكراهية العقيدة لا صلة لها بكراهية الأشخاص ولا بسوء التعامل معهم أو الإساءة لهم بأي صورة من الصور. ومن المؤكد أن "ليلى" تعرف أن المسلمين ومنذ عهد رسولهم الكريم كانوا يتعاملون مع غير المسلمين بيعاً وشراءً وتزاوراً في المنازل وكانوا يزورونهم عند مرضهم ويقدمون لهم كل المساعدات التي يحتاجونها ولم يكن في بيوت المسلمين آنذاك طفلة مثل ابنة جارتك ـ هذا إذا كانت القصة صحيحة ـ، ولم تكن الأمهات ـ آنذاك ـ بحاجة إلى إقناع أطفالهن بحسن التعامل مع غير المسلمين. كما أظن أن الأخت "ليلى" تعرف أن الإسلام أباح للمسلم الزواج من المسيحية واليهودية، وأظنها ـ وهي الطبيبة والمستشارة الاجتماعية ـ تدرك ـ بداهة ـ أن الذي يتزوج غير مسلمة لابد أن يحبها بكل حواسه كما أنه لابد أن يحب أقاربها ويخالطهم في بيوتهم وبيته أيضاً، فهل بعد هذا كله يمكن أن تتحدث عن كراهية غير المسلمين في المناهج أو سواها؟ مرة أخرى كراهية العقيدة تختلف تماماً عن كراهية الأشخاص، وهذا النوع من الكراهية متبادل بين جميع أتباع الديانات وإلا لما أصبح هناك اختلاف عقائدي بين البشر. وأعجب من "ليلى" التي لا تدرك هذه الحقيقة الواضحة. أقول للأخت ليلى إنني اجتمعت مع أحد الأمريكان من موظفي مؤسسة "راند" وكان ذلك الاجتماع في مدينة "القطيف" ودار بيننا حديث طويل شمل مسألة وصف المسلمين لغيرهم بـ "الكفر" وقد سألته: هل تعتقد أن ديني صحيح بالنسبة لك فأجاب بالنفي، فقلت له: وأنا كذلك بالنسبة لدينك.. ثم شرحت له معنى كلمة "الكفر" في لغتنا وأنها تعني أن "الآخر" لا يؤمن بما نعتقده، وبالتالي فإننا وبحسب لغتنا "كفرة" بحسب نظرة الآخرين لنا لأننا لا نؤمن بعقيدتهم. هذا الحوار البسيط جعل الرجل المثقف يغير وجهة نظره عن اتهام الإسلام بعدم التسامح مع الآخرين من خلال نظرته لهم ووصفهم بـ "الكفر" خاصة وقد أبنت له التسامح الذي يأمرنا به ديننا تجاههم في شؤون الحياة الأخرى. ربما يكون في مدارسنا من لا يفهم هذا الفهم وبالتالي يلقن طلبته معلومات مغلوطة، ولكن هذا البعض ـ إن وجد ـ لا يجعلنا نطالب بحذف بعض الأساسيات الدينية من مناهجنا بحجج واهية ولمجرد القول إن الإسلام دين متسامح، هو كذلك - كما قلت - ولكن بضوابط معروفة.. أما فرح الأخت "ليلى" بحذف "الولاء والبراء" من المناهج فهو - قطعا - ليس في محله وليت الوزارة لم تفعل ذلك - هذا إذا فعلته لأنني لست متأكداً منه -. ليس المهم حذف بعض القضايا من كتاب التوحيد لأنها موجودة في كتب كثيرة غير المناهج فهل تستطيع الوزارة - أو سواها - حذف ما كتب عن الولاء والبراء في كل تلك الكتب؟ بالطبع لا، ولهذا فالأهم من الحذف هو تلقين الطلاب الفهم الحقيقي لمعنى الولاء ولمعنى البراء وعند ذلك فلن يكون هناك أي تخوف من هذا البعبع الذي كثرت "الطنطنة" حوله بدون أدنى فائدة من ذلك.. وإذا فهمت الأخت ليلى المعنى الحقيقي للبراءة من غير المسلمين فعندها لن يكون هناك صعوبة عند ذلك الأب الذي تحدثت عنه في إفهام ابنته معنى كلمة "المشركين" وما دامت ذكية - كما وصفتها - فلن تجد صعوبة في معرفة المعنى الحقيقي للمشركين ومعرفة كيفية التعامل معهم. الذي أود من "ليلى" معرفته - وكذلك غيرها - أن درس الولاء والبراء لا علاقة له بما يكنه الصغار والكبار من كراهية "للمشركين" وأن سبب هذه الكراهية ما يشاهده الجميع من كراهية "المشركين" لهم، هذه الكراهية التي جعلتهم يحتلون بلادهم ويقتلونهم بكل عنف، ويعاملونهم أسوأ معاملة، ويستغلون خيرات بلادهم.. هل تتوقع "ليلى" وسواها أن يرى أطفالنا ما يفعله الصهاينة والأمريكان في بلادنا ثم يحبوهم؟! هل تتوقع أن يعلمهم آباؤهم حب هؤلاء "المشركين" مع كل ما يفعلونه بهم؟ يجب أن توضع الأمور في نصابها ونبتعد عن الحديث عن التسامح الذي يوضع في غير محله.. الأخت "ليلى" تقول بصيغة التهكم والاستنكار على "المتشددين" إن هؤلاء يصفون الغرب بالكافر مع أنه مصدر كل العلوم.. وأقول لها: هل هذا الغرب كافر أم مسلم؟ ليس هناك شيء ثالث، فإما أن يكون الغرب مسلما وإما أن يكون كافراً ولا أظنها - والله أعلم - تقول إنه مسلم، لأن الغربيين لا يقبلون منها مطلقاً أن تطلق عليهم هذا الوصف الذي يرون أنه لا يليق بهم!! وإذا كان الأمر كذلك فلماذا تغضب كل هذا الغضب من "المتشددين" عندما يقولون عن الغرب إنه "كافر"؟ لاسيما وهي - قطعا - ستقول مثلهم لأنها لن تجد شيئاً آخر تقوله!! أخيراً أتمنى أن نضع الأمور في نصابها الصحيح، وأن نعمق في نفوس أبنائنا الفهم السليم للإسلام، هذا الفهم الذي يجب أن نعتز به مهما قال عنه الآخرون. * أكاديمي وكاتب سعودي