التنفّذ الإداري المتنامي في العديد من مؤسساتنا العامة سببه بكل بساطة تدهور أجهزة الرقابة وتضعضع أهليتها،والتربّع الطويّل المدى لكبار التنفيذيين في الغالب الأعم من أجهزتنا العامة..نحن اليوم نتشكّى كثيرا من سوء أداء العديد من القطاعات الخدميّة،وتفشّي المحسوبيّات وتنامي اختراقات النظم والقوانين الإدارية والماليّة،وتعاني أجهزة الحكم المحلّي في كل منطقة تقريبا وتتزايد أعباء مداورة علل وكوارث سوء الإدارة يوما بعد يوم في بعض القطاعات التي تتبع سلطاتها،وتنشغل أعلى سلطة سياسية في الدولة بهموم مواطنين روتينيّة مسؤولية حلها تقع على عاتق وزراء وكبار تنفيذيين في أجهزة تكلف خزينة الدولة مليارات سنويا..حسناً ولي الأمر - أعزه الله- استشعر الكثير من هذه الهموم على مدى عقود من إدارة الشأن العام للدولة ووفر كل الإمكانات لأجهزة الحكومة لتؤدي عملها الخدمي والمتعلق باحتياجات المواطن وأساسيات حياته،ووضع ثقته في وزراء ومسؤولين عن هذه القطاعات،ومع هذا المواطنون أصحاب الحاجات بطول قطار كل يوم ثلاثاء في قصر خادم الحرمين الشريفين-أعزه الله- وهو أمر مثار تساؤل فعلا!!مجلس سمو ولي العهد يحفظه الله مفتوح للمواطنين أسبوعيا وأمراء المناطق يجلسون للشعب بشكل يومي تقريبا في كل منطقة وهي تتعاطى بالتأكيد مع مصالح متعثّرة وحاجات غير مقضية ومظالم واقعة على بسطاء نتيجة لسوء أداء معظم القطاعات العامة المكلفة جدا على خزينة الدولة! في المقابل قلة من الوزراء من يواجهون الجمهور ويعايشون همومه ويحلحلون مشكلات الجمهور مع أجهزتهم..فالمواطن البسيط والذي ليس لديه متنفّذ يستند عليه ولا معارف ولنقل لا وساطات لا أظن أنه يفرح بمقابلة وزير بدون مماطلات وتسويف،ناهيك عن سوء المعاملة التي قد ينتهي إليها حاله مع المسؤول للأسف!!يعلم الله أن هناك مديري مكاتب لوزراء تكاد تتوّهم للوهلة الأولى من حالة التورم التي عليها الرجل وتصدير الأوامر في كل اتجاه يتحرك فيه بشر علاوة على عدة وديكور وهيبة المكان الفسيح أنك بحضرة صاحب المعالي شخصيا..بطبيعة الحال هناك وزراء مخلصون ويؤدون مهامهم الوطنيّة على أكمل وجه بلا شك ،ويمثّل المواطن بالنسبة لهم فعلا أولوية يتفانون في الحضور المبكر والانصراف المتأخر ومقابلة أفواج المراجعين والشرح بأنفسهم على معاملات الجمهور،وقد تفاجأ بقياديين في جهاز ما يماطلون المراجع تحت أي ظرف كان..بطبيعة الحال هذا الوزير الأنموذجي والذي تحتاجه البلد لا يملك صلاحية تسريح أي قيادي لديه من هذه النوعية وغير المسؤولة التي تنظر للوظيفة العامة كحق مكتسب لا خدمة عامة للجمهور صاحب الحق. مرحلة الإصلاح التي يقودها الملك عبدالله ويدعمها بأنظمة لمكافحة الفساد ومأسسة أداء أجهزة الحكومة،تملي منح الوزير صلاحيات الإعفاء والتسريح لعواطلية تطفح بهم معظم قطاعاتنا العامة..اليوم الوزير الجاد والمنتج يأتي على أوضاع مؤسّسيّة غير مؤهلة بشريا وإنتاجيا ومهلكة بكل تأكيد لأي أجندة استصلاحية لأوضاع الجهاز..ومنح الوزير هكذا صلاحيات يحتاج إلى فاعلية أذرع الرقابة في الدولة كمجلس الشورى وديوان المراقبة العامة وجهاز الرقابة والتحقيق كصمّام أمان لترشيد القرار المؤسسي لأقصى حد لحماية الوظيفة العامة وحماية حق المواطن الكفء فيها..بل لعلي هنا أقول إن منح الوزير كل هذه الصلاحيات الوظيفيّة التي تمكّن الوزير من استقطاب أكبر قدر من التنفيذيين والتسريح لمن لا يخدمون برنامجه،من الضروري أن تكون مشروطة بمشروع حقيقي وبرنامج عمل تنفيذي موزون ومحسوب زمنيا وموافق عليه من الملك مع كل تشكيل وزاري. المرحلة الراهنة إذا أردنا أن نحقّق فيها شيئا من الرهانات العريضة لخادم الحرمين الشريفين لوجود مؤثر للمملكة على خارطة منظمة التجارة العالمية،تملي بلا شك سياسة تطهيريّة إن جاز القول لأساليب الأداء المؤسّسي الفوضوي وغير المنتج والعالي الكلفة على خزينة الدولة..مزيد من الهيبة للوظيفة العامة مزيد من الفاعلية لأجهزة الرقابة داخل وعلى أداء مؤسساتنا العامة ومزيد من المحاسبة الفعّالة والمرشّدة من قبل مجلس الشورى و بخارطة برامج الوزراء التي التزموا بها أمام ولي الأمر ومنحوا بموجبها الأموال وخولوا صلاحيات وظيفية واسعة لتطوير أداء قطاعاتهم عند استوزارهم.. اليوم تتكدّس أغلب مؤسساتنا العامة بكل أشكال العواطليّة،وتعاني أجهزتنا الكثير من العلل البيروقراطيّة لنظم إدارية ومالية بالية تنتج دورات عمل يوميّة بائسة،وتغيّب العدالة الوظيفيّة بسبب الفوضى وغياب الشفافية والمتابعة والتفتيّش على الإنتاج واستشراء اللامبالاة والمحسوبيات بشكل لا يصدقه عقل..اليوم تعاني مناطقنا الإدارية من قياديين مزمنين فعلا لا تدري هل هم منسيّون أم مبتكرون ووجودهم بالغ الأهميّة للتوازن الإيكولوجي للجهاز..وأيا تكن عليه حالة هذا القيادي المزمن ذهنيا ومهاريا،وأيا تكن مبرّرات بقائه الإيكولوجي كما أسلفت في نظر المسؤولين عنه،أقول يا ناس هذا الأمد الطويل الذي يربض فيه هذا القيادي على قلوب خلق الله حتما ما سيوفر بيئة خصبة للفلتان والمحسوبيات واختراق الأنظمة واللوائح ..بالله عليكم أي منطق هذا الذي يجعل مديرا عاما لفرع قطاع ما في منطقة ما يبقى في منصبه لـ 18عاما مثلا؟!شيء خرافي ولا يحدث إلا عندنا للأسف؟!كيف هو حال هذا القطاع الذي يمضي فيه هذا العظيم عقداً ونيّفاً من الزمان؟!وكيف هي أحوال النفوذ الذي يستزرعه هذا القيادي المبدع داخل القطاع على مر السنين؟!بل الأخطر في الأمر أن قياديا كهذا توافر على امتياز مطلق للبقاء في منصب من النوع الذي ترتبط به مصالح متشعّبة لقطاعات وأجهزة أخرى في المنطقة سيتجاوز نفوذه مع الوقت قطاعه للتأثير في قطاعات أخرى. لنتخيّل منظومة المصالح والتنفّذ التي يبنيها قيادي كهذا في منطقته مع الوقت،ولنحاول تصوّر كيف هو حال الفساد وكل أشكال المحسوبيّات واستغلال السلطة مع بقاء متنفّذ كهذا في هرميّة القرار المؤسّسي لذلك القطاع؟!بالتأكيد مع أوضاع الرقابة البائسة وتخلّف الأجهزة المعنيّة بالمحاسبة والمتابعة نحن نوفر بيئة خصبة للفلتان المؤسّسي والفوضى المالية والإدارية بلا حدود..وحتما ما سنراوح في حالة الحيص بيص المؤسّسيّة التي أورثتنا الكثير من الهموم وقد تحمّلنا رزايا يصعب التخلّص منها بلا ضرائب قاسية وموجعة لا سمح الله..أكمل في هذا الثلاثاء القادم بمشيئة الله. * كاتب سعودي