ذكرت هنا في الأسبوعين الماضيين أن ترجمة طموحات الملك عبدالله لاستصلاح بيئة مؤسسات الحكومة تتطلّب إجراءات شجاعة بل وقاسية إن لزم الأمر، شريطة تفعيل أذرع الرقابة للدولة بما فيها مجلس الشورى بشكل منهجي وصارم في البيئة المؤسّسيّة من جانب، ومنح صلاحيات واسعة للوزراء لتصحيح هذه المؤسسات من الداخل ماديا وبشريا ووفقا لبرامج عمل مموزنة وبسقف زمني لا يتجاوز الأربع سنوات يعتمدها الملك بوصفه رئيسا للحكومة لكل وزير عند استوزاره. اليوم مع أحوال قطاعاتنا العامة غير المنتجة والمكلفة والتي تطفح بكل أشكال الفوضى إداريا وماليا، وقدوم ورحيل الوزراء كل أربع أو ثمان سنوات بلا أية معياريّة للحكم على الأداء والنجاح والفشل، وروتينيّة العمل الرقابي لمجلس الشورى فيما يتعلّق بمساءلات وزراء الحكومة، أقول لا خيار أمامنا إلا ترشيد واقعنا المؤسّسيّ بمعيّارية جرده المشاريع المموزنة لكل وزير والرقابة والمحاسبة المنهجيّة من مجلس الشورى بأسلوب تقارير متابعة دورية/ميدانيّة لما يتحقّق على الأرض من برامج الوزراء والرفع بذلك لولي الأمر مع نهاية كل سنة ماليّة. اليوم نخطئ كثيرا إذا نحن لم نخوّل الوزير الجاد وصاحب الرؤية والذي يملك آليات الإنجاز صلاحيات إدارية واسعة يختار بموجبها الكوادر القيادية القادرة على تنفيذ برنامجه عمليا بدءا من وكلائه ومديري عموم الجهاز.. فواقع مؤسساتنا العامة لا يسر كثيرا في مسألة المناصب القيادية والتنفيذيّة العليا في بعض الأجهزة.. منهم من جاءت به الصدف والمحسوبيات ومنهم من وجد نفسه وكيلا أو مديرا عاما لما يقارب العشرين عاما للدرجة التي أصبحوا معها متنفذّين بارعين داخل الجهاز يستعصي على أي وزير مقاومتهم أو إزاحتهم عن الطريق لإنجاح مشروعه.. وكون الوزير يملك صلاحية جلب وتنصيب مساعديه ونوابه وحق إزاحة القيادات المزمنة لا يقلّص فقط من قوائم الأعذار التي اعتدنا سماعها من مسؤولين لم يحققوا لقطاعاتهم شيئاً، وإنما يوفر للدولة فرص محاسبة للمسؤول الأول وقد وفرت له كل ظروف العمل والنجاح.. بكل أمانة، في قطاعاتنا العامة أشبه ما يكون بالتكايا التي يتكوّم فيها مديرو عموم ووكلاء أصبحوا مع الوقت نافذين ومتمدّدين داخل أجهزتهم وخارجها بشكل مرضّي ومخيف وفي غير مقدور أي قيادي مهما كانت قدراته اكتشافهم وتقطيع أوصالهم ربما إلا ومدته الوزارية شارفت على الانقضاء. الشواهد على هذا الواقع المؤسّسي المثخن بكل صنوف العبث واللا مسؤولية بطول قطار صدقوني، ومعظمنا يعرف عن متنفذّين من هذا النوع الخطر في العديد من القطاعات العامة.. قد لا تفهم بقاء مدير شؤون مالية وإدارية في جهاز حكومي لعقد من الزمان!! وقد يستعصي عليك فهم بقاء مدير عام لفرع وزارة في منطقة ما لخمسة عشر أو ربما ثمانية عشر عاما!! وقد تجد نفسك عاجزا عن استيعاب مبررات هذه التكايا والمرتمين فيها في معظم الأجهزة الحكوميّة مهما كانت المسألة فيها ذكاء خرافي ومهارات فرديّة عالية للرابضين على هذه المواقع مع كل هذا البعد الزمني المخيف لتواجدهم..!! ولكن إذا عرف السبب بطل العجب، فمدير عام أو وكيل مزمن متمرّس في الذكاء الاجتماعي ومتمدّد في الوجاهات والعلاقات العامة داخل جهازه وفي الأجهزة الموازية بمقدوره أن يفرض وجوده المثير وقدراته في تحقيق ما لا يقدر عليه أحد كلها مبرّرات تبدو منطقيّة في نظر المسؤول الأول لإبقائه في التكيّة مهما كانت الأضرار المؤسّسيّة المترتبة على ذلك.. وتتعاظم خطورة وأضرار هذه النوعيّة المزمنة عندما يوظفون علاقاتهم ومصالحهم في الوسط المؤسسي كأدوات ضاغطة على أداء الجهاز المؤسسي الذي يعملون فيه.. وهذا في نظري، يعد من أبرز مخصّبات الفساد الإداري في مؤسساتنا، وأس البلاء في معظم مشكلاتنا الإنتاجية في القطاع العام، وأي خطوات استصلاحية جادة حتما ولابد من أن تجتث هذه الكيانات كأولوية. بطبيعة الحال، أحوال العمل الرقابي لدينا لا تسر كثيرا، فجهاز كالرقابة والتحقيق لا تدري من يعمل فيه وما هو تأهيلهم وما هي آليات عملهم كمدّعي عام الدولة إن جاز القول!! ديوان المراقبة العامة هو الآخر غير قادر على أداء دوره الرقابي لخزينة الدولة بسبب نظامه المتخلّف والذي يحتاج إلى منظومة تشريعية قوية ونافذة وبصلاحيات واسعة إداريا ورقابيا وتنفيذيا على كل أجهزة الحكومة وبلا أية استثناءات من أي نوع كان لحماية المال العام وبمرجعيّة مباشرة بالملك.. نحن اليوم بحاجة لأداء تكاملي فيما بين مجلس الشورى كجهاز رقابي تشريعي وبقية أذرع الدولة الرقابية من أجل تحقيق أقصى كفاءة ممكنة للنظام العام إداريا وماليا وإنتاجيا.. فمجلس الشورى يتوقف عند مراجعة تقارير هذه الأجهزة دون أن يحرّك ساكنا في مساءلة الجهات أو ملاحقة الملاحظات التي ترد عن الجهات أو التحرّي بشكل عملي وميداني ومن داخل الأجهزة عن خروقات النظام مؤسّسيّا.. مجلس الشورى اليوم لا يريد أن يتحرّك خطوة واحدة في تفعيل أعماله الرقابية بعيدا عن مواد نظامه مواكبة لتطلّعات خادم الحرمين الشريفين لمكافحة الفساد في مؤسسات الحكومة وتصحيح مساراتها إنتاجيا وبما يوازي ما تنفقه الدولة عليها من مبالغ وما أسّست له من تنظيمات عمل وتشريعات مالية وإدارية. حتى هيئة الرقابة والتحقيق لا يكلّف نفسه المجلس مهمة التقصّي عن أجندة مكافحة الفساد التي عهد إلى هذا الجهاز الرقابي تطبيقه.. مجلس الشورى حتى تاريخه لم يفكر في مساءلة الهيئة عن درجة جهوزيتها للقيام بهذا البرنامج الوطني الطموح الذي نراهن كمواطنين ومسؤولين على تفعيله لحماية مقدرات الدولة ومكتسبات المواطنين في أسرع وقت ممكن مع كل هذه الفوائض والدعوم المالية بالمليارات لأجهزة الحكومة.. ولعلي لست متفائلا كثيرا في هذا الخصوص وأكبر هم هذه الهيئة ملاحقة دوامات وانتدابات صغار الموظفين ومخالفاتهم الإدارية التافهة مقارنة بهوامير التنفّذ ممن يطوّحون بأنظمة الدولة ليل نهار ويعبثون بحقوق المواطن موظفا ومراجعا صاحب حاجة دون أن يرف لهم جفن.. هذا غيض من فيض لحجم التنفّذ الإداري لمسؤولين في منطقة واحدة فقط، ومع هذا نظن أن أمور الرقابة لدينا ماشية وتؤدي دورها النزيه الذي يفترضه ولاة الأمر فيها.