أقرّ مجلس الشورى نهاية ديسمبر الماضي نظام الجمعيات والمؤسسات الأهلية (المجتمع المدني) وتم رفعه إلى مجلس الوزراء من أجل البت النهائي فيه، إما إقراره بصيغته الحالية أو بإجراء تعديلات عليه "الوطن" 2267. اشتمل هذا النظام على عدد من التعديلات على النظام المقترح الذي قدّم قبل سنة تقريبا. من أبرز التعديلات التي أجريت على النظام الجديد تلك المتعلّقة بتقليل عدد الحد الأدنى للمتقدمين لتأسيس جمعية ما من عشرين شخصا إلى عشرة أشخاص. وإضافة الاتحادات النوعية وتقليص سلطة " الهيئة الوطنية للجمعيات والمؤسسات الأهلية " فحل الجمعيات ودمجها أصبحا من اختصاص الجهات القضائية وللهيئة حق التعليق المؤقت. السلطة العليا في الهيئة مكونة من مجلس يكون هو بالتالي من: 1- أحد أعضاء مجلس الوزراء يسمى بأمر ملكي رئيسا.ً2-ممثلين للقطاعات الحكومية لا تقل مرتبة كل منهم عن الرابعة عشرة وفقا للآتي: ممثل لوزارة الشؤون الاجتماعية عضواً ،ممثل لوزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد عضواً، ممثل لوزارة التعليم العالي عضواً، ممثل لوزارة الداخلية عضوا، ممثل لوزارة التجارة عضواً.3- ممثلون للقطاع الأهلي ممن لهم سابق خبرة وعطاء وفقا للآتي: ثلاثة يمثلون الجمعيات الأهلية الموجهة لخدمة العامة. أعضاء : اثنان يمثلان الجمعيات المهنية عضوين، اثنان يمثلان الجمعيات العلمية عضوين، اثنان يمثلان المؤسسات الأهلية عضوين، ممثل للغرف التجارية عضواً. الهيئة هنا تمثل السلطة الحكومية الرقابية على الجمعيات والمؤسسات الأهلية وهي التي بيدها حق التسجيل والترخيص وبالتالي فإن العلاقة بينها وبين الجمعيات والمؤسسات الأهلية علاقة مهمة وأساسية. باعتبار أن المجتمع المدني ميدان محميّ يمكن الناس من اتخاذ قراراتهم ضمن حدود الحرية. بمعنى أن الأصل في عمل مؤسسات المجتمع المدني أن تكون حرة في حدود الحرية العامة التي هي محدودة بالقانون بوضوح. الآن الهيئة تملك حق التعليق لعمل الجمعيات ولكنها لا تملك حق الحل والدمج وهنا نلحظ تقدماً جزئياً عن النظام السابق ولكنه يبقى تقدما غير كاف فالتعليق حكم أيضا ويفترض ألا يصدر إلا بحكم قضائي أيضا. ولكن القضية الأساسية في الموضوع أن النظام الجديد لم يحدد للهيئة حدا زمنيا واضحا يلزمها بالرد على طلبات التصريح والتسجيل سواء بالموافقة أو بالرفض المسبب. كما أن النظام لا يعطي حق التظلم لمن لم يردّ عليه عند القضاء. وهذا يعني أن الهيئة تستطيع، دون تجاوز قانوني، أن تستلم الطلبات وتبقيها في الأدراج دون رد أو جواب لمدة غير محدودة من الزمن. وهذه بالتأكيد إشكالية كبرى وخلل وفراغ واضح في النظام ويعطي فرصة للتعامل غير المتساوي مع الطلبات والتفريق غير القانوني بين الجمعيات والمؤسسات الأهلية. النظام بهذا الشكل يعطي فرصة كبيرة لتعطيل المشروع كلّه وإحباط هذا التوجه من أساسه ومن المهم تعديله لتكون هناك فترة محددة للبت في الطلبات والجواب عليها إما بالقبول أو بالرفض المسبب مع ضمان حق التقاضي لمن رفض طلبهم عن القضاء المختص. ورد في تنظيم مجلس الهيئة أن رئيس المجلس لا بد أن يكون وزيرا بل عضو في مجلس الوزراء ولا تعقد الاجتماعات إلا بحضوره، وبرأيي أن هذا الاشتراط سيعطل عمل الهيئة كثيرا وسيورط الجمعيات والمؤسسات الأهلية في نظام بيروقراطي ثقيل بحكم أن رئيس المجلس مرتبط أصلا بعمل أساسي وهو الوزارة التي يرأسها فكيف يمكن له الجمع بين المهتمين وكلنا يعلم أن الوزارات بالكاد تقوم بأحمالها. ومن المهم التذكير هنا بأن الهيئة بحكم مهامها الحالية الموضحة في النظام ستواجه مهام كمية ونوعية كبيرة فهي مسؤولة عن الترخيص وتقديم الإعانات الحكومية للجمعيات والمؤسسات ومتابعة أدائها والعمل على تطويرها ودعم وتفعيل البحوث والدراسات واعتماد اللوائح الأساسية للجمعيات والمؤسسات والاتحادات والبت في اندماجها ووضع واعتماد القواعد اللازمة للتنسيق بين الجهات المختصة في الداخل والخارج كما تقوم الهيئة بوضع واعتماد اللوائح المالية والإدارية لها ووضع واعتماد لائحة تنظيمية لجمع التبرعات وآلياته. كل هذه المهام تحتاج برأيي تفرغا كاملا وتأهيلا خاصا يفترض أن يتولى قيادته شخص ذو خبرة وسجل ناجح في مثل هذه النشاطات ويحظى باستقلالية مهمة تعينه في التعامل بحياد وإنصاف. كانت هذه بعض الملاحظات على النظام الجديد الذي هو في خطواته الأخيرة ولكن من المهم الآن السؤال : هل سن الأنظمة قادر على تحقيق الدور المطلوب من النشاط محل التنظيم؟ أي هل هذا النظام أو غيره من الأنظمة قادر على إيجاد مؤسسات مجتمع مدني فاعلة ولها دور حقيقي؟ برأيي أن النظام يقوم فقط بتشريع العمل قانونيا ولكنه لا يوجده إن لم يعقه. في كل الدول العربية هناك أنظمة مجتمع مدني أكثر تطورا من نظامنا هذا المقترح ولكنه لم يترتب على وجود هذا النظام وجود مجتمع مدني حقيقي. هناك أطراف أكثر في المعادلة. فالمجتمع المدني لم يتأسس من فراغ ولم يأت نتيجة لاجتهادات محدودة بل هو نتاج وثمرة لفلسفة متكاملة. فلسفة مجتمع حديث يتولى فيه الأفراد والتجمعات الخاصة مهامهم. لم تعد الدولة اليوم تقوم بكل شيء وتحتكر كل شيء إلا في الدول التي تعيش خارج التاريخ. في المجتمعات الحديثة يقوم الناس بشؤونهم ويمارسون أدوارهم الطبيعية في المجتمع خارج إطار الدولة ولكن داخل إطار القانون. هذه الممارسة هي حق طبيعي للأفراد بحكم مواطنتهم ولا يستطيع أحدهم سلبها منه.( ملاحظة لم ترد كلمة حق أبدا في نظام الجمعيات والمؤسسات الأهلية). إن مؤسسات المجتمع المدني لا يمكن أن تكون حقيقية إلا باستنادها على ثقافة مدنية تقوم على اشتراطات من أهمها الاستقلال والحرية واحترام النظام والقانون والتغيير والتنافس بالوسائل القانونية والشعور بالانتماء والمواطنة والتسامح والديموقراطية. هذه الاشتراطات لا يمكن القفز عليها إلا إذا كان الهدف هو فقط الظهور بشكليات وشعارات أمام الآخرين وهذا سيكون أكبر خطر على البلد. فأهمية المجتمع المدني اليوم أساسية وشرط ضروري لأي وطن صالح للعيش وناجح ومتقدم. من هنا فإن المهمة الأساسية برأيي اليوم هي التأسيس لثقافة مدنية، ثقافة المجتمع المدني. لا أظن أحدا يستطيع المكابرة ويدعي توفر اشتراطات قيام مؤسسات مجتمع مدني لدينا إلا من يحصره في إطار ضيق ومحدود لا يتجاوز الأعمال الخيرية. الأقرب للواقع أن الأرضية غير جاهزة لقيام مجتمع مدني. عدم الجاهزية يكمن في كل أنظمة المجتمع، السياسي والاجتماعي والثقافي والتعليمي والإعلامي. ولذا فإن المهمة الأولى اليوم هي التأسيس لثقافة المجتمع المدني عن طريق الطرح الفكري و التوعوي وعن طريق الممارسة الجادة التي قد يقوم بها في حدود ضيقة بعض من يملكون الوعي والثقافة والتدريب في ممارسة العمل على أرض الواقع. هذا العمل يمكن أن يؤسس لثقافة مدنية تواجه وتتخطى ثقافة ما قبل مدنية ( قبلية، سلطوية، تقليدية ) لها اليد الطولي في المجتمع اليوم ولديها القدرة على تفريغ الجمعيات والمؤسسات الأهلية من مضمونها وقيمتها الحقيقية وتقدمها بشكل ممسوخ يتسبب في كفر الناس بها والانصراف عنها. من هنا فإن السؤال صاحب الأولوية اليوم بنظري هو: ما هو المجتمع المدني؟