أكثر من شهر مضى على استقلال كوسوفا ولم تعلن أي دولة عربية حتى الآن استعدادها الاعتراف بها، ومن بين الدول الإسلامية لم يعترف بالدولة الجديدة سوى أفغانستان وتركيا والسنغال وألبانيا وماليزيا. وتعبيراً عن هذا الموقف السلبي اكتفى بيان القمة الإسلامية الأخيرة في السنغال بالقول إن المؤتمر قد أخذ علما بإعلان كوسوفا استقلالها والإعراب عن تضامن الأعضاء مع شعب كوسوفا. لقد فشلت تركيا في إدراج موضوع الاعتراف بكوسوفا على جدول أعمال القمة بسبب معارضة شديدة من مصر والسودان وأذربيجان. كيف لنا أن نفسر هذا الموقف السلبي من الدول العربية والإسلامية تجاه شعب كافح طويلاً لنيل استقلاله. بعض الدول غلب مصالحه المتمثلة في علاقات تاريخية مع صربيا وحليفتها روسيا التي تعد المعارض الأهم لاستقلال كوسوفا. ولكن غالبية الدول ومن خلال تصريحات غير مباشرة تشير إلى مخاوف من أن يخلق الاعتراف بكوسوفا سابقة تشجع الحركات الانفصالية على إعلان الاستقلال وهذا ما يفسر موقف السودان وأذربيجان الرافض حتى لعرض الموضوع على القمة الإسلامية، كما قد يفسر استمرار التزام كافة الدول العربية الصمت تجاه كوسوفا رغم تنامي عدد الدول المعترفة بها يوما بعد يوم. الغريب أن هذا الموقف من الدول العربية والإسلامية يلتقي مع موقف إسرائيل التي تخشى هي الأخرى أن يكون الاعتراف بكوسوفا مشجعاً للاعتراف بدولة فلسطينية، مع العلم أن الموقف الإسرائيلي ليس نهائيا ويمثل إحدى الرؤى التي تناقش في الخارجية الإسرائيلية لبلورة موقف تجاه كوسوفا، في حين لا نسمع من الدول العربية أو الإسلامية أي نقاش داخل دوائر صنع القرار فيها حول هذه القضية. ولاشك أن ذلك ( تعدد الرؤى في عملية صنع القرار) من أبرز ما يميز إسرائيل عن الدول العربية. الدول التي تتخوف من انعكاسات سلبية محتملة للاعتراف باستقلال كوسوفا على أوضاعها لابد أن تدرك أن هذا التخوف غير مشروع فاستقلال كوسوفا ليس بدعاً ومسيرة التاريخ تثبت ذلك ولو عدنا إلى الوراء قليلاً لنتذكر استقلال الجبل الأسود عن صربيا وقبلها تيمور الشرقية عن إندونيسيا وكذلك البوسنة والهرسك ومقدونيا وغيرها من جمهوريات يوغسلافيا السابقة. ويبدو أن الدول العربية لا تدرك أن لكل حالة انفصالية ظروفها الخاصة التي تميزها وتحدد موقف الجماعة الدولية منها، واعتراف الدول بانفصال إقليم عن دولة ما لا يعني استعدادها للاعتراف بكل حالة انفصال دون مراعاة لظروف الصراع وكذلك الموقف الإقليمي والدولي، ولعل في عدم الاعتراف بدولة فلسطين والجمهورية التركية في شمال قبرص والشيشان أمثلة بارزة على خصوصية كل حالة مما يعني أن تلك مخاوف لا مبرر لها. فالاعتراف ليس سوى خطوة أخيرة في العملية الانفصالية التي يعود أصلها ومسبباتها إلى شعور بالظلم والحرمان والتهميش ويعد نهاية لعملية كفاح طويلة. الموقف السلبي الذي تتخذه الدول العربية والإسلامية تجاه كوسوفا لن يغير في الأمر شيئاً، فاستقلالها أصبح أمراً واقعاً ويكفيها اعتراف جملة من الدول المهمة على الساحة الدولية وفي مقدمتها الولايات المتحدة وبريطانيا وألمانيا وفرنسا واليابان وكندا وإيطاليا، وقائمة الدول المعترفة تزداد يوماً بعد يوم وفي هذا تأكيد على أن دولة كوسوفا أصبحت حقيقة على الساحة الدولية وسيأتي الوقت الذي تعيد الدول المعارضة النظر في موقفها وتجد كوسوفا طريقها إلى الأمم المتحدة. البعض يحكم على حركات الانفصال بمنظار عقلاني خالص ويستغرب هذه النزعة لدى بعض الشعوب الصغيرة كما هو حال كوسوفا حيث لا تتوفر المقومات اللازمة للعيش في دولة مستقلة ولاشك أن هذه النظرة محل تقدير وتستحق الوقوف عندها، ولكن ما يؤكده التاريخ أن المشاعر القومية التي تحرك الحركات الانفصالية أقوى بكثير من الحسابات العقلانية. أخيراً، فإذا كانت الدول العربية والإسلامية محقة في عدم المبادرة إلى أن تكون في مقدمة الدول المعترفة بكوسوفا لكي لا يفسر ذلك في إطار تضامن ديني يوظفه الصرب لصالحهم مستغلين حالة الخوف من الإسلام في المجتمعات الغربية، فإن ترددهم عن إعلان الاعتراف حتى هذا الوقت وبعد أن أعلنت ثلاثه وثلاثون دولة اعترافها بها أمر يصعب تفسيره ولا يمكن فهمه سوى من زاوية سوء التقدير وعدم كفاءة عملية صنع القرار في العواصم العربية والإسلامية التي لا تسمح بتداول الرأي والمشورة من أجل التعرف على البدائل المختلفة المتاحة للتعامل مع المستجدات على الساحة الدولية ولذلك نجدها تكتفي بموقف المتفرج وتجدها تنتهي إلى قرارات فقدت قيمتها وتأثيرها في مسار الأحداث. رئيس قسم العلوم السياسية في جامعة الملك سعود