الصفحة الرئيسية للعدد الاخير
مشاهد وصور
المزيد >>
كاريكتير
المزيد >>

الصفحات الكاملة

شاشة توقف ساعة الوطن

الأربعاء 2 جمادى الأولى 1429هـ الموافق 7 مايو 2008م العدد (2777) السنة الثامنة

طباعة التعليقات حفظ

كتاب اليوم

مرام عبدالرحمن مكاوي
أبطال الديجتال!
فوجئت مؤخراً بنغمة اتصال عبر برنامج (سكايب) ترن في بيتي، ألقيت نظرة على البرنامج المفتوح فإذا هي صديقة عزيزة، وضعت السماعات وبدأت في محاولة الرد عليها. لم يجبني أحد، وتوالت الاتصالات، وفي كل مرة لم يكن أحد يجيب. وبعد قليل كانت صديقتي تخبرني بمزيد من الدهشة والفرح بأن الذي كان يتصل بي ليس هي وإنما صغيرها "عبودي" وأنها فوجئت بصوتي يزأر في صالة منزلها في الظهران!
حدثتني صديقتي كيف أن صغيرها (الذي لم يتعلم الكلام بعد) مغرمٌ بالحواسيب، وأنه يجيد فتح الجهاز، وتشغيل المتصفح، والذهاب إلى صفحة غوغل! "سيصبح خبيراً.. مثل أمه" كان هذا تعليقي، وأنا أفكر بالتأثير الذي سيتركه هؤلاء الصغار على مسرح الحياة حين يشبون.. هم الذين لامست أصابعهم المفاتيح قبل أن تمسك حتى بالقلم.
لم تنتشر الحواسيب في بلادنا بتلك الدرجة الهائلة إلا حين دخل الإنترنت بلادنا في أواخر عام 98 أو بدايات عام 99. وبالتالي أبحر جيلنا في الشبكة العنكبوتية يافعاً، فمعظمنا كان في تلك الفترة إما في المرحلة الثانوية أو الجامعية، وهو الجيل الذي ظهرت بصمته لاحقاً في منتديات الحوار وغرف المحادثة ثم في المدونات. ومع أن الغالبية منا تلقت تعليماً تقليدياً، وتربت على القيم القديمة ذاتها من العيب والحرام والممنوع، وتم زرع الخوف فيها من أي شيء وكل شيء، إلا أن الثورة الرقمية استطاعات أن تستفز دواخلنا وتخرج بعض ما فينا.
لتصبح الصورة أكثر وضوحاً سأضرب أمثلة محلية وعربية بهذا الخصوص. فمحلياً، شاهدنا كيف تحول شخص غير معروف للغالبية خارج العالم الافتراضي إلى شخص مشهور.
وتكرر الموضوع نفسه مع الزميلة المدونة هديل الحضيف، فحين غابت ابنة الخامسة والعشرين عن الوعي، تحولت المدونات السعودية إلى أمكنة للدعاء من أجلها، وتم أيضاً إنشاء مجموعة خاصة للدعاء لها ومتابعة أخبارها في الشبكة الاجتماعية (فيسبوك). وحين أعرب والدها عن استيائه من عدم وجود سرير لابنته في كبرى مستشفيات العاصمة، تحولت المدونة إلى منبر خطابي لاذع عنوانه "سرير لله يا محسنين"! في حين أنه حين تعرض كاتب سعودي كبير لوعكة صحية كبيرة العام الماضي، لم يذكره إلا بعض أصدقائه عبر مقالات متفرقة. وهنا تكمن قوة التدوين: طاقات شابة، تفور حيوية وحماسة، ولديها كل الأدوات التقنية المناسبة، وقد همشت طويلاً، "فما صدقت على الله" بالتعبير العامي أن يتاح لها فرصة للتنفس ولتتكلم.
وإذا أردنا أن نرى المشهد حين يصبح أكثر درامية وخطورة، فيمكن أن نتحول إلى مصر الشقيقة. فموجة الغلاء الأخيرة بلغت حداً ما عادت الناس قادرة على احتماله، فإلا الخبز! فالناس تصبر على كل شيء لكنها لا تصبر على الجوع. وهاهي الحكومة العمالية في بلد ديموقراطي كبريطانيا تفقد مقعدها في مدينة لندن، إذ هزم المرشح المحافظ منافسه النائب العمالي الشهير (كيفن ليفنجستون) في انتخابات عمدة لندن الأخيرة، بسبب أزمتي التضخم والغلاء اللتين تضربان البلد. فلأول مرة منذ عقود - كما يقول مذيع البي بي سي - يذهب الناخب البريطاني إلى صندوق الاقتراع وعينه على أسعار الخبز التي تشهد ارتفاعاً غير مسبوق، محملاً الحكومة العمالية الحالية فشل إدارة الأزمة.
عودة إلى مصر، فحين بلغ الجوع حداً لا يطاق، تحركت الشبيبة المصرية، منددة بما تراه سوء إدارة لموارد البلاد، وعدم الاهتمام بـ 40% من السكان الذين يقبعون تحت خط الفقر حين تم رفع الدعم الحكومي عن المواد الغذائية الأساسية. فانطلقت المدونات المصرية تطالب بالمحاسبة وتدعو إلى إضراب عام، وكان أن قادت (إسراء عبدالفتاح) هذه الدعوة بشكل أكثر تنظيماً عن طريق حسابها في موقع الفيسبوك، وهكذا استطاعت - ابنة الثامنة والعشرين - أن ترج بلداً بحجم مصر! إذ استجاب لها الآلاف، ولو لم يكن هناك خوف وتحسب بعد أن ظهرت بوادر حكومية تحذر من الإضراب عشية السادس من أبريل 2008 (يوم الإضراب الذي دعت إليه) لربما تبع هذه الفتاة الملايين كما يقول أنصارها. ومع أن إسراء تعرضت للإيقاف، ومن الواضح أنها ستصمت بعد أن خرجت من السجن، فهي في النهاية فتاة شابة، لم تتوقع أن تجد نفسها خلف القضبان في قضية رأي عام! ولكنها تركت بصمتها على المشهد السياسي المصري، فقد أخجلت الشباب والرجال، الذين يعرفون أنه الآن باستطاعة حتى امرأة وحيدة أن تصنع فرقاً، بغض النظر عن اتفاقنا أو اختلافنا مع القضية المطروحة.
هؤلاء الرقميون، تجاوزوا حتى المؤسسات الدينية التقليدية، حين فقدوا ثقتهم بها أو كادوا، لأنهم رأوها تتخذ موقفاً منحازاً للسلطة، ولهذا لا يتوقع الكثيرون أن تجد دعوة الأزهر الأخيرة بتحريم الإضرابات صدى في الشارع المصري الشاب.
سألت أحد المصريين عن رأيه فيما يحصل فقال: "الأوضاع محتقنة.. والناس جائعة.. ووصلت إلى قناعة بأنه لا يوجد فساد في الإدارة.. بل إن الإدارة تتم أساساً بالفساد.. وهكذا وضع لن يستمر خصوصا في ظل غضبة هذا الجيل الشاب والمتعلم والعاطل عن العمل.. فإما أن تقرر الحكومة أن تضرب بيد من حديد..ولكن ذلك لن يكون سهلاً.. فنحن لسنا في الستينيات.. (والعالم لن يقف متفرجاً)... أو الحل الثاني أن يقود هؤلاء الشباب ثورة لا يعرف مداها ولا شكلها". وهو محق في ذلك، فهذه ليست ثورة العسكر أو الإخوان أو الشيوعيين أو القوميين أو أي إيدلوجية أخرى..فهؤلاء الشباب في الغالب غير مؤدلجين ولا يحركهم سوى الجوع والفقر والغضب من سوء الأحوال وغياب الحريات.. وتلك ميزة لم تتوفر في أي حركة ثورية في العالم العربي سابقاً.
الدنيا تغير جلدها، ولكن العاملين في المجال الأمني مازالوا يستخدمون مع الجيل الرقمي (الديجتال) الأسلوب ذاته الذي استخدمه الباب العالي قبل مئة عام مع الشعوب التي كانت تطالب بأبسط حقوقها. وتلك مشكلة حقيقية، لأن الخاسر في النهاية هو الأوطان، والحل الأمثل هو أن تستبق الحكومات كل ذلك عن طريق تحقيق التنمية والعدالة الاجتماعية ومحاربة الفساد، وصناعة الأمل للأجيال. وكتاب الدكتور غازي القصيبي (التنمية: الأسئلة الكبرى) يتناول بشكل مبسط وممتاز الأسئلة الصعبة: لماذا ننمي؟ لمن ننمي؟ وكيف ننمي؟ ويربط كل ذلك بشكل رئيسي بإصلاح التعليم ومؤسساته.
الآن حتى إذا تم وأد هذه الحركات الوليدة، والتي لا يزال عودها طرياً اليوم، فماذا سيحصل غداً؟ ماذا سيحصل حين يصل جيل (عبودي) إلى سن المراهقة مزوداً بكل التقنيات الحديثة التي رضعها (حقيقة لا مجازاً) مع حليب أمه، ومستفيداً خبرة الجيل السابق له.. متعلماً من خبراته وإخفاقاته؟ لقد شاهدت عبر موقع (اليوتيوب) أطفالاً (دون سن العاشرة) يبثون لقطات مرئية لهم يطالبون فيها بإطلاق سراح آبائهم، منددين بالفساد والكبت!
رياح التغيير تعصف بشدة، فإما أن نستعد للعاصفة، أو نظل نردد بسخرية بأنها ليست أكثر من نشرة أحوال جوية.. قد تخطيء أو تصيب.. ولكل حادث حديث.. وهنا سأذكر بمثل إنجليزي شهير يقول: (الأفضل أن تكون سالماً على أن تكون آسفاً).


* كاتبة سعودية، وطالبة دراسات عليا في المملكة المتحدة

0 : عدد التعليقات

التعليقات

لا يوجد تعليقات
التعليق مغلق لانتهاء الفترة المحددة له

رأي الوطن

حملة دبلوماسية: لا للوقود الحيوي
خبير أجنبي!
مرام عبدالرحمن مكاوي
البنات.. البنات.. ألطف الكائنات
مرام عبدالرحمن مكاوي
الاحترام المفقود
مرام عبدالرحمن مكاوي
الرئيس لا يعرف كل شيء
مرام عبدالرحمن مكاوي
الغربة.. في الوطن
مرام عبدالرحمن مكاوي
الغربة.. في الوطن
مرام عبدالرحمن مكاوي
دعونا نستغل الحدث!
مرام عبدالرحمن مكاوي
طيور الشرق وموسم الهجرة إلى الغرب
مرام عبدالرحمن مكاوي
لماذا الاحتفاء بمنجزات الحضارة الإسلامية في الغرب؟
مرام عبدالرحمن مكاوي
لايسي صديق للمملكة يا دكتور حمزة
مرام عبدالرحمن مكاوي
إجراءات الأمن الأمريكية.. كيف سيكون الرد؟
مرام عبدالرحمن مكاوي
الوظيفة في مقابل القيم!
مرام عبدالرحمن مكاوي
عزيزتي فاطمة
مرام عبدالرحمن مكاوي
حيرة فاطمة!
مرام عبدالرحمن مكاوي
عقد التغيير
مرام عبدالرحمن مكاوي
ليكن (فرماناً) ضد التمييز
مرام عبدالرحمن مكاوي
جدة.. يا وهج الشمس
مرام عبدالرحمن مكاوي
مدن الملح
مرام عبدالرحمن مكاوي
تعاطفنا.. بين الوطنية والأممية
مرام عبدالرحمن مكاوي
وهذه لماذا لا تستوردونها؟
مرام عبدالرحمن مكاوي
المرأة السعودية: أي تطور تريد؟
مرام عبدالرحمن مكاوي
المرأة السعودية على غلاف مجلة التايمز
مرام عبدالرحمن مكاوي
لم ينجح أحد
مرام عبدالرحمن مكاوي
كايا.. العالمي!
مرام عبدالرحمن مكاوي
إلى الأميرة الإنسانة
مرام عبدالرحمن مكاوي
المزيد >>
حالة الطقس
25 38 مكة المكرمة
24 35 المدينة المنورة
20 32 الرياض
20 32 الدمام
22 33 جدة
16 28 أبها
المزيد>>
اختيارات القراء للأخبار خلال اليوم
أكثر خبر قراءة
أمطار الرياض.. غرق أنفاق وشلل مرور وتعطل دراسة
أكثر خبر إثارة للتعليقات
أمطار الرياض.. غرق أنفاق وشلل مرور وتعطل دراسة
أكثر خبر طباعة
كان أحد أهم المفكرين العرب المؤثرين بإنتاجهم الفكري
أكثر خبر حفظا
كان أحد أهم المفكرين العرب المؤثرين بإنتاجهم الفكري
اختيارات القراء خلال أسبوع /شهر
اختيارات القراء للمقالات خلال اليوم
أكثر مقال قراءة
للسعيدي: خارطة بيوت للانتهاك
أكثر مقال إثارة للتعليقات
حفلة عيد ميلاد!
أكثر مقال طباعة
للسعيدي: خارطة بيوت للانتهاك
أكثر مقال حفظا
للسعيدي: خارطة بيوت للانتهاك
اختيارات القراء خلال أسبوع / شهر
الارشيف
التاريخ  Pick a Date  

مبتعثــــــون