التدوين أحد أسرع الأجناس الكتابية نمواً في العالم، وما زالت شبكته تتعملق بشكل خرافي لتضم إليها كل يومٍ يداً طموحة، وعقلاً جديداً. والتدوين الذي جاء نتيجة تصالح الثقافة مع التكنولوجيا بعدما ظلت لعقود أسيرة حالاتها الكلاسيكية المحصورة في كتاب من الجلد العتيق، ومحبرة صماء، يعد بقفزة ثقافية تذكر بتلك التي أحدثها اختراع آلة الطباعة وأدت إلى بدء إنتاج الكتب بشكل تجاري. ونتيجة لهذا الصلح النادر بين الثقافة والتكنولوجيا ازدادت الأفكار خصوبة بسبب تضاعف مناسبات التعالق والتلاقح المباشر، واتسعت مساحات القيم الكبرى للفن: الحرية والرقي الإنساني والوعي الأخلاقي والتواصل الفكري. وأصبح التدوين، في فترة قصيرة جداً ليس جنساً كتابياً مؤهلاً للدخول إلى نادي الكتابة فقط، بل إلى تصدّرها ثقافياً واجتماعياً، وفي حالات أخرى يتجاوز ذلك إلى الاقتصاد والسياسة. سعودياً، لا أعتقد أن ثمة جنساً كتابياً يُمارَس في السعودية بكثافة التدوين، لا الروايات ولا القصة القصيرة ولا حتى الشعر الشعبي. في كل يوم، هناك مئات التدوينات الجديدة تضاف إلى هذا المشهد التكنوثقافي المبتكر، بالإضافة إلى عشرات المدونين/المدونات الذين يستجدّون على التدوين. حالة لا تستحق المتابعة فقط، بل الانهماك التام في إحلالها مكانتها اللائقة بسرعة نموها وانتشارها في المشهد الثقافي ككل، وقدرتها على إحداث الفرق، وتمييز نفسها عن بقية الكتابة بسهولة. ولو فكرنا في الزمن الطويل الذي اقتضى الرواية مثلاً لتتبلور من ملاحم غنائية حربية إلى حالتها المعاصرة ذات المعايير العالية لوجدنا التدوين يختصر هذا الزمن، ويقطع المسافة نفسها بسرعة البرق، وهو ما يدفعنا للتفكير: أين يمكن له أن يصل بسرعته هذه؟ وبماذا يمكن أن يصطدم؟ برأيي الشخصي أن سرعة نمو التدوين ستنفعه وتضره في آن. أما النفع فواضح التحقق. ففي الوقت الذي تسافر فيه القصيدة والرواية والقصة، مهما كانت جيدة، ببطء شديد، تستطيع تدوينة متقنة أن تدور حول العالم وتعود قبل أن تخرج الرواية من المطبعة، وقبل أن تتجاوز القصيدة حنجرة الشاعر. حماس المتلقين للتدوين بالإضافة إلى الدعم التكنولوجي أديا إلى تغيير معايير التلقي تماماً، فالتدوينة تصل إلى قارئها بسهولة عن طريق آليات بحث إلكترونية متطورة، تجوب الإنترنت، لتنتقي للقارئ ما يهمه قراءته فقط وتضعه أمامه على بعد مسافة لا يمكنه معها إلا أن ينخرط في قراءتها بشكل منتظم، مثلما يقرأ البريد والجرائد. هذا الانتظام والروتينية في التلقي هو ما تحلم به كل الأجناس الكتابية الأخرى ولا تجده، حتى لو نُشرت الروايات والقصص في الإنترنت. فالفرق لا يكمن في المقارنة بين التلقي الورقي والتلقي الإلكتروني، بل في كون التدوين قد نجح في استحداث سلوك ثقافي جديد يجعل من قراءة التدوينات ذات الصفة الفنية والفكرية ممارسة يومية، لا تتطلب الاستعداد الذهني لقراءة قصيدة أو رواية، أو حتى مشاهدة فيلم!
الضرر سيكمن في كون الضجيج والانهماك الذي تحدثهما سرعة النمو هذه ستغيّب تماماً كل الفوائد المتأتية من النضج البطيء مثل: اختمار الحكمة الفنية، وتثبيت المعايير الذوقية للمتلقي، وتوثيق الأصول التدوينية التي تعمل كمعالم تهدي طريق المستجدين فيه. هذه الأضرار لاحظها المتابعون كواقع فعلي الآن في الكثير من المدونات التي أخذت بالشكل التكنولوجي للتدوين (إطلاق المدونة الإلكترونية)، بينما كان كل ما كتبوه فيها بعيد تماماً عن الشكل الفني للتدوين، وأقرب إلى المقالة والخاطرة والقصة القصيرة والدراسة النقدية منه إلى التدوين الذي يعمل كمرآة ذهنية وفكرية وفلسفية لواقع يومي معاش وملموس ومرتبط بالإنسان والمجتمع بشكل مباشر. وبذلك تحول التدوين من مساحة حرة للتفكير المتفاعل بين المدوّن وقرائه، إلى مساحة تنظير جامدة وأحادية لا تختلف عن ما ينشر في جريدة، أو يطرح في كتاب. الأسوأ من ذلك عندما يتحول التدوين إلى أداة لمشاريع غير فنية في طبيعتها، وذات أبعاد أيديولوجية ورساليّة، أو حتى ساحة للنشاط الاجتماعي. والفن، برأيي، يتأبى على الترويض لأهداف غير تلك الأساسية الكبرى المعنية بذائقة الإنسان وشفافية تعالقه مع الحياة. استخدام التدوين كلوحة إعلانية لترويج الشعار والفكرة والمجموعة قد يؤدي إلى تشويه المشروع التدويني، وإفقاده الكثير من جماهيريته المستحقة، تماماً مثلما هي الرواية المؤدلجة، والقصيدة القومية، والقصة الوعظية نادراً ما تبلغ حد الإجادة الفنية، لأنها نزحت عن الفن أصلاً نحو أهداف غير فنية.
وككل المشاريع التي تبدأ وتنجح في الحياة لا بد أن تتجلى بوضوح روح الفريق. وفي السعودية، لا يمكن أبداً تجاهل هذه الروح التي تربط بين المدوّنين والمدوّنات، وكيف تم اختبارها في أكثر من حدث مؤخراً. وعندما بدأت جماعة أبولو مشروعها الشعري الحديث عام 1932 كانت هذه الروح موجودة بين الشعراء المشاركين، فدافعوا عن بعضهم، وتماسكوا في مواجهة ما افترضوا عداوته لمشروعهم، حتى أوصلوا مشروعهم الشعري إلى ما هو عليه الآن، وبعد ذلك تفرّق الفريق، وتلاشت الروح، بعدما أصبح الشعر الحديث من مسلمات الفنون الكتابية العربية. بمعنى آخر: إن روح الفريق حالة ابتدائية للأسف، تتعذر استمراريتها إذا انتهت التحديات. مثلما أن روح التكاتف الاجتماعي هي سمة رئيسة في الأقليات تنقرض تدريجياً كلما تحولوا إلى أكثرية. روح الفريق الذي يجمع المدونين والمدونات في السعودية ضرورية جداً لإنجاح المشروع، لأن التدوين، بخلاف الأجناس الكتابية الأخرى، يتخذ شكلاً شبكياً في الانتشار، وليس شكلاً إشعاعياً ينبثق من مصدر وحيد. وفي الغالب أن التدوين السعودي سيظل بحاجة هذه الروح الجماعية شرط استغلال طاقاتها بشكل فعّال لتثبيت جذور المشروع في أرض الكتابة، وهذا لا يتحقق إلا بالتكاتف على المستوى الفني والثقافي، وليس التكاتف على المستوى الشخصي الذي لن يؤثر في مسيرة المشروع بالضرورة لوقوعه خارج الإطار، وكونه ممارسة اجتماعية شخصية سيكون الخلط بينها وبين التدوين، كفنِّ، وخيماً. هذه الروح الإيجابية بين المدونين قد يلتبس على بعضهم فهم طبيعتها، فيعتمد عليها باعتبارها وقوداً لحراك ثوري، وهو ما يجعل بعض المدونات السعودية تعاني من متلازمة النزوح عن المحاور الفنية الأصلية للتدوين نحو ممارسة مآرب أخرى. هذه المآرب، بغض النظر عن سموها ودنوها، تؤدي إلى نتيجتين سلبيتين: إنها تشوش على جهود المعايرة الفنية للتدوين كجنس كتابي، وبالتالي تعطّل من مسيرة تأهيل التدوين ليكون نداً للأجناس الأخرى من رواية وقصة وشعر، وتدفع بالناس إلى اعتباره مجرد: مقالة إلكترونية! والنتيجة الثانية، أنها ستنفر الكثيرين من المتابعين للتدوين بسبب الصراخ الذي تتمحور حوله بعض التدوينات، وكأنها ليست إلا مظاهرة شعبية الكترونية أيضاً، تستغل روح الفريق المتحمس للترويج لأفكار ثورية في طابعها (أيضاً بغض النظر عن سمو ودنو هذه الأفكار). * كاتب سعودي