في سيرة الأثير العزيز الأستاذ عبدالرحمن السدحان، أمين عام مجلس الوزراء، من تلك التي ينثرها في كتاب أو حوار ميزة البساطة والواقعية التي لا تأنف فصلا من فصول الحياة ولا تأخذها الكبرياء لتناسي - تلك الأيام - مثلما يفعل النرجسيون الذين يظنون أن في الرحلة من المقاطع ما يكسر الهيبة. كان أول سطر يكتبه في مقابلته الأخيرة على صحيفة الحياة ليس إلا افتخاره بسني الطفولة وهو يرعى أغنام جده لأمه ثم حدقة عينيه وهو يتطلع لذات المنزل من كوة الجبل الأبهاوي كي يشم رائحة العشاء، تلك التي تمر بها الأيام بلا نار موقدة أو دخان يكسر الرتابة. في سيرة عبدالرحمن السدحان الذاتية درس جوهري للعصامية وفيها قصة تفتح الأمل لكل الذين يظنون أن الحياة طريق واحد محسوم محتوم لا يتبدل. ما الذي يأخذني اليوم للكتابة عن سيرة ذاتية لإنسان لم أعرفه إلا من خلال ما يكتب، أو عبر بضع مكالمات تختصرها كلمات؟ الجواب في تقاطع المكان، فكلما أقرأ للسدحان، أطل من نافذة بيتي التي تطل اليوم على كل الطفولة الصارمة القاسية التي تختزلها هذه الهضاب في مشيع وجوحان والعرين والركيب من تلك القرى التي ترقد على حواف هذه المدينة. كان بها راعي أغنام يأتمن اليوم أجندة مجلس الوزراء وكان بها ذات يوم طفل شريد لا يقرأ إلا ما كان لزوما ضروريا من تراتيل الصلاة فلا تظنوا أن اغترابه الطويل من جازان إلى لبنان، ثم الغرب الأمريكي إلا مقاطع من البكاء والمأساة لشاب عاش ضحية البون الاجتماعي الشاسع في قصة أبوين. وكلما تحدثت مع السدحان، يسرقني إلى العاطفي المبكي في قصة أم أحبها حد الجنون، وأحبته حد البكاء الطويل كلما احتضنته نزرا في بيت زوجها الجديد. كان ابن السابعة من العمر ضحية تلقائية للظروف. أب مهاجر لم تشاهده حدقة العين وأم حنون لا مكان لبكرها الأزلي الأولي في حياتها الجديدة إلا ما كان له في دمعة العين. ظل مع جده يرعى الأغنام بالنهار ويكتب التمائم في - الفنجال - للذين يأتون لجده تطببا من السحر والعين بعيد المغرب. ابتدأ السدحان قصة الحياة مشروعا هلاميا يأخذ من قوافل سوق الثلاثاء الشهير بعض أخبار أبيه ويأخذ من جده البار بعض أنباء أم يعرف أنهما (هو وأمه) مجرد عينين باكيتين على بعضهما البعض عن بعد سحيق ولو أن القرار بيديهما وحدهما لهربا من هذه الأرض معا على جذع شجرة. دعك من تسويف المناصب وإغراء الحياة فكلها اليوم لدى عبدالرحمن السدحان لا تساوي عذاب ليلة طفولية. وللذين أحبوا أما لم يروها أو أجبروا على الانفصال من صدرها ورائحتها اقرؤوا سحائب ذكراه لتعرفوا أن الأم وحدها هي كل الحياة وتحت أقدامها كل مناصب الدنيا ورائحة الآخرة.