لا أعتقد أن هناك معاناة أشد وقعا على النفس من معاناة إحساسك بأنك ضحية لعملية نصب واحتيال علنية، خاصة بعدما تضع ثمرة جهدك لسنوات طويلة في مشروع تجاري، أو عقاري، وفجأة تتلقى صدمة حقيقة صاحب ذلك المشروع الذي أصبح بين ليلة وضحاها "وهما" وأصبح بطل هذه المسرحية خارج البلاد، أو من نزلاء السجون يتمتع بالخدمة الشخصية داخل السجن، أو يعلن إفلاسه لذلك المشروع الذي كسب من ورائه الملايين! فالضحية المسكين حينها لا يجد أمامه في البداية سوى رفض هذه الصدمة وعدم الرغبة في التعايش مع حقيقتها بل ويرفضها لفترة لأنه على يقين بأنه في بلد يطبق العقوبات الشرعية بحذافيرها. ولكن قد تمر سنوات وحقوقه لم ترجع وإن كانت بسيطة مقارنة بالملايين التي خسرها كثير من الضحايا واستولى عليها صاحب هذا المشروع المزيف! والمصيبة أنه مواطن ذكي في التخطيط الإجرامي والنصب وسلب عقول مواطني بلاده وخاصة الكادحين منهم والباحثين عن تنمية أموالهم داخل بلادهم لأن هذا ما يملكونه ويقدرون عليه! لكن هذا المواطن استطاع بمئات الألوف أن يرسم مشاريع وهمية على الورق، وافتتح مكاتب مؤقتة، ووظف كوادر شابة طموحة تشاركه في الاحتيال وخديعة البسطاء في عالم الاستثمار، وأصدر صكوكا وهمية، وروّج لسمعته التجارية بشتى الوسائل الدعائية، وبعدما تنتهي اللعبة يعلن إفلاسه بالرغم من أنه كسب الملايين! وقد تسبقه العدالة قبل هروبه خارج البلاد، أو قبل توريطه لأسماء صغيرة محتاجة من حوله لكي تتحمل عنه مصائبه، وقد لا يكون كل هذا ويجد في صك الإعسار منفذا يحميه من العقاب! وهذه من أكبر المصائب التي لا بد من معالجتها جذريا والحد من انتشارها لدينا، وعدم السماح بالتوسع فيها حتى لا تهضم حقوق الضعفاء، وتنهض على أكتافهم طموحات النفوس الجشعة المريضة، وخاصة أن قضاتنا لا يغيب عنهم أن وراء هذه الصكوك ضحايا لا حول لهم ولا قوة، وبيوتا تنهار، استدان أصحابها من غيرهم لكي يدخلوا مجال الاستثمار السريع، لكن بعد خسارتهم أرى أنهم يستحقون صكوك الإعسار وليس من كانوا السبب وراء خسارتهم! فكثير من ذوي الدخل المحدود ومنهم نساء كثيرات قضوا جزءا من حياتهم خلف القضبان يعانون من قلة الحيلة ويلجؤون للديون التي تقضي على راحتهم ويستحقون من يقف بجانبهم، وهناك وحوش بشرية تتسلق على أكتافهم الضعيفة ولا بد من التشهير بها، وحرمانها من العودة مرة أخرى كما كانت، بل وحرمانها حتى من التمتع بالحماية خلف القضبان لسنوات وضحاياهم خسروا حتى أحلامهم البسيطة، لأن وجودهم خلف القضبان لا أعتبره عقابا كافيا مقابل ما فعلوه من احتيال علني كان ضحيته الكثير من المواطنين.