الصفحة الرئيسية للعدد الاخير
مشاهد وصور
المزيد >>
كاريكتير
المزيد >>

الصفحات الكاملة

شاشة توقف ساعة الوطن

الأربعاء 8 شوال 1429هـ الموافق 8 أكتوبر 2008م العدد (2931) السنة التاسعة

طباعة التعليقات حفظ

كتاب اليوم

مرام عبدالرحمن مكاوي
إيفا..
عند مدخل بنايتنا كان اللقاء الأول..كنتُ عائدة من رحلة التسوق الشهرية محملة بمؤونة أكاد أتعثر فيها.. حين فاجأتني شابة جميلة بوجه بشوش بقولها: "هل تحتاجين إلى مساعدة؟" وفي تلك اللحظة ولدت صداقة جميلة..أقرب ما تكون إلى الأخوة..
إيفا علمتني معنى الصداقة الحقيقية، حين لا تضطر إلى أن تلبس قناعاً من أي نوع..حين تستطيع أن تفتح قلبك حتى آخر حجرة فيه دون أن تخشى شيئاً..أي شيء..وحين لا تحتار أبداً في من تكلم حين تضيق بك الدنيا..وحين يخونك ويسيء إليك حتى أولئك الذين ينتمون إلى عرقك وعقيدتك وبلدك..حين لا تخجل أو تتردد في أن تطرق باب هذا الصديق أو أن تطلب منه مساعدة تحتاجها..لأنك تعرف أنه ليس فقط لن يخذلك بل سيكون هو ذاته ممتناً لأنه يخدمك..وقتها تغدو الصديقة أشبه بأخت شقيقة..هكذا كانت علاقتي بإيفا..
جارتي إيفا فرنسية من أصول إسبانية، ولدت لعائلة كاثوليكية وظلت كذلك حتى الثامنة عشرة، ثم ضاقت ذرعاً بعدم إعطاء الرهبان والكهان أجوبة لأسئلتها..فصارت لا دينية بمعنى أنها لا تتبع ديناً بذاته، لكن الله كان هناك دائماً في قلبها الطيب.
نشأت إيفا في ضواحي باريس كبقية المهاجرين من غير ذوي الأصول الفرنسية، وترعرعت مع أطفال المغاربة والجزائريين، فألفت شرقنا ودينه الغريب منذ الصغر، وأثار حماستها رغم أنه كان في تلك البيئة مخلوطاً بالكثير من العادات وربما الشعوذات! تخرجت إيفا في جامعة السوربون، ثم انتقلت إلى بريطانيا بعد أن صدمتها العنصرية الفرنسية حين بدأت تصعد إلى القمة، فاكتشفت أن كونها فرنسية بالولادة وأوروبية بالأساس لن يشفع لها في مقابل حملها لقباً يشير بوضوح إلى أصولها الإسبانية.
نجاحات إيفا الباهرة في بريطانيا على الصعيد العملي، خاصة وهي تتقن ثلاث لغات بطلاقة (الإنجليزية والفرنسية والإسبانية)، لم تكن لتسد ذلك الفراغ الروحي في قلبها..فبدأت رحلة البحث من جديد عن دين يقربها من الله الذي تحس به دون أن تعرف كيف تصل إليه. شغفها القديم بالعرب والمسلمين قادها إلى أن تبدأ رحلة البحث عن الذات وعن الله عبر الدين الإسلامي، فبدأت بالقراءة والبحث والتنقيب، تعمل بصبر الباحث واحترافية خريجة الجامعة العريقة وتستخدم عقلها لتميز الغث من السمين، وتحاول جاهدة أن ترفع الأغلفة القبيحة التي تم تغليف الإسلام فيها سواء من قبل أعدائه أو الأصعب وهو من قبل أهله!
كانت تقرأ تفسير القرآن من أكثر من مصدر وبأكثر من لغة، كما قرأت ما وصلها من كتب السيرة، واستمعت إلى أشرطة الداعية يوسف إسلام وهو يحكي السيرة النبوية بأسلوب قصصي ساحر. اهتمت بشكل رئيس بوضع المرأة في الإسلام، وهو الأمر الذي تراه (كأوروبية علمانية) أنه القضية الأكثر تنفيراً من ديننا وإثارة للعداء ضده. لأنه من وجهة نظرهم يناهض حقوق الإنسان وأسس العدالة والمساواة والحرية التي قامت عليها النهضة الاوروبية والحضارة الغربية.
ويا لدهشة صديقتي إذ اكتشفت حين محصت وفحصت تاريخنا وديننا أنه جناية المسلمين على دينهم. فلا الختان ولا العضل ولا جرائم الشرف ولا المنع من الدراسة والعمل وقيادة السيارة ولا الزواج بالإكراه ( أو الطلاق بالإكراه كما في واقعنا المعاصر)، ولا المنع من مزاولة العمل السياسي أو التجاري أو القانوني، من الدين في شيء! فإيفا عرفت خديجة وأم عمارة وعائشة وأسماء، رضوان الله عليهن، ولم تجد أنهن تعرضن أبداً لما تتعرض له المرأة المسلمة اليوم وتحت ذريعة تطبيق شرع الله! وهذا ما قاله من قبل العلماء الربانيون الذين لم يخشوا في الله لومة لائم، والذين فصلوا الدين عن هوى العادات، وعلى رأسهم الشيخ محمد الغزالي، رحمه الله تعالى، ومازلت أقرأ في كتابه الرائع "قضايا المرأة..بين التقاليد الراكدة والوافدة".
وفي خضم رحلتها تلك التقت بالعديد من المسلمين والمسلمات الذين كانت تبحث معهم عن إجابات لما لم تجده في الكتب. وكم يؤلمني أن أقول إن بعض هؤلاء جعلوها أكثر حزناً وتردداً في قبول هذا الدين. ركزوا معها على المظاهر قبل الجوهر، نسي هؤلاء أو تناسوا أن الرسول صلى الله عليه وسلم ظل ثلاث عشرة سنة بمكة يدعو إلى التوحيد فقط. فلماذا يظن بعض الإخوة الرجال بأن الركن الأول في الإسلام هو الحجاب، والثاني هو قتل الكفار، والثالث تعدد الزوجات، والرابع تغيير الأسماء الأعجمية، والخامس طاعة الزوج!
نعم هذا ما واجهته هذه الشابة الحائرة التي لم يخجل مسلم يشرب الخمر، ويتساهل في الصلاة من أن يخبرها بأن اسمها لا يجوز أن تحمله مسلمة بعد إسلامها (لأنه من دين آخر) رغم أنه الترجمة الإسبانية لاسم السيدة حواء أم البشر. ولا أن يقول لها إنه أفضل منها لأنه مسلم يعرف طريقه حتى وإن لم يتبعه، أما هي فتائهة وحتى إن أسلمت ستظل أقل منه في نظر الشرع، كونه ابن إمام أحد أكبر المساجد في بريطانيا. طبعاً هو سيخبرها لاحقاً بأن والده تزوج بكراً صغيرة جلبها من بلادها، وتمتع بها، وحين حملت أجهضها وطلقها وأعادها إلى قريتها، في حين يواصل هو الخطب على منبر الجمعة كل أسبوع!
مازلت أذكر تلك الليلة التي جاءتني فيها باكية للمرة الأولى لأنها شعرت بأنه ليس من حق أحدهم أن يحكم عليها بأنها لن تكون مسلمة صالحة فيما لو قررت ذلك فقط لأنها لم تولد مسلمة: " طوال حياتي أحببت الناس وفعل الخير..لم أؤذ أحداً..لم أجد متعة في اللهو والعبث والشرب ومصادقة الشباب..ولهذا أجد الإسلام موافقاً لطباعي..بل إنني أشعر بأن الله كان دائماً هناك في قلبي" ضممت صديقتي إليّ برفق وسألتها إن كانت تعرف الفاروق رضوان الله عليه فردت بالإيجاب، فأخبرتها بأنه قال من لم يعرف الجاهلية لم يعرف الإسلام، وأن الكثير من المسلمين الذين اختاروا الإسلام طواعية يصبحون أفضل من أولئك الذين ورثوه وراثة فلا فهموه ولا طبقوه، وأنها ليست بحاجة إلى تزكية من أحد! فابتسمت صديقتي وسط الدموع.
في أواخر الصيف قالت لي إيفا إنها تريد أن تستغل شهر رمضان هذا العام لتتعايش مع الإسلام بشكل أفضل، خاصة أن هذا شهر القرآن والعبادة، وهكذا عشت جل أيام هذا الشهر مع أوراق أطروحتي ومع تجربة إيفا المثيرة.
فهذه الفتاة العلمانية المسيحية قد صامت بعض أيام رمضان حتى خلال أوقات الدوام، رغم طول اليوم، وكانت تستيقظ للسحور، وتضبط المنبه على أوقات الصلوات بما فيها الفجر، وتستمع للقرآن بالعربية، وتقرأ تفسيره بالإنجليزية، وتستمع للسيرة، بل ورافقتني ذات ليلة لمسجد الجامعة، فدخلته محجبة وبقيت تراقبنا حتى نهاية صلاة التراويح وتسأل عن هذا الأمر أو ذاك.
وعلى صعيد شخصي هونت علي غربتي ووحدتي فشاركتني إفطاري عدة مرات، أحبت الشوربة والسمبوسك والمهلبية، وأصرت أن تبدأ إفطارها بأكل التمر حين عرفت أن ذلك من السنة، لتقع في غرامه بعد ذلك فتفضله على ما سواه. وفي إحدى الليالي وبعد الإفطار توضأنا، وارتدينا لباس الصلاة، وطلبت منها أن تختار سورة نقرأها معاً..ففوضتني لأختار ما أريد..فاخترت سورة الرحمن، وحين انتهيت نظرت إلى وجهها فكانت عيناها تشعان بالامتنان والخشوع، ودعوت الله في سري أن يهدي هذه الإنسانة الرائعة.
تقول إيفا إن آخر قضية مازالت تشدها للوراء هي قضية البعث. فليس سهلاً على من تربت في مدارس فرنسا الغارقة في العلمانية، المحاربة للغيبيات، المعلية للعقل والمنطق والفلسفة، أن تؤمن بالجنة والنار والصراط والكوثر وغيرها من الأمور التي لا دليل حسي عليها. ولكنها مازالت تحاول لأنها تريد أن تدخل في الإسلام وهي مقتنعة به 100% ، وهي الآن في رحلة تأخذها الأمواج إلى أكثر من محيط، لكنها متيقنة بأن الشاطئ سيلوح في الأفق ذات يوم. ولأنني أعرف إيفا جيداً فأنا متيقنة من ذلك أيضاً، ومتفائلة بأن مسلمة مثلها قادرة على أن تقدم الكثير ليس لنفسها فقط بل للدعوة في الغرب أيضاً.
قبل أن أسافر إلى جدة أعطتني إيفا هدية العيد وبطاقة معايدة أوصتني أن لا أقرأها إلا حين أكون بعيدة عنها، قرأتها في الطائرة فاغرورقت عيناي، إذ كان مما جاء فيها: " شكراً لكِ على صداقتك الثمينة، شكراً لأنك كنت عوناً في رحلتي الإيمانية هذه..دون أن تقومي أبداً بدور المبشر أو الداعية اللحوح..ولكونك منفتحة ومتقبلة بشدة لفضولي ونهمي المعرفي...سأذكر ذلك دوماً بغض النظر عن البر الذي سترسو فيه سفينتي.. ".
دعواتكم بأن يشرح الله صدر صديقتي حتى تصوم معنا رمضان القادم..كمسلمة هذه المرة.

* كاتبة سعودية، وطالبة دراسات عليا في المملكة المتحدة.

0 : عدد التعليقات

التعليقات

لا يوجد تعليقات
التعليق مغلق لانتهاء الفترة المحددة له

رأي الوطن

ميلاد نظام اقتصادي عالمي جديد
خبير أجنبي!
مرام عبدالرحمن مكاوي
البنات.. البنات.. ألطف الكائنات
مرام عبدالرحمن مكاوي
الاحترام المفقود
مرام عبدالرحمن مكاوي
الرئيس لا يعرف كل شيء
مرام عبدالرحمن مكاوي
الغربة.. في الوطن
مرام عبدالرحمن مكاوي
الغربة.. في الوطن
مرام عبدالرحمن مكاوي
دعونا نستغل الحدث!
مرام عبدالرحمن مكاوي
طيور الشرق وموسم الهجرة إلى الغرب
مرام عبدالرحمن مكاوي
لماذا الاحتفاء بمنجزات الحضارة الإسلامية في الغرب؟
مرام عبدالرحمن مكاوي
لايسي صديق للمملكة يا دكتور حمزة
مرام عبدالرحمن مكاوي
إجراءات الأمن الأمريكية.. كيف سيكون الرد؟
مرام عبدالرحمن مكاوي
الوظيفة في مقابل القيم!
مرام عبدالرحمن مكاوي
عزيزتي فاطمة
مرام عبدالرحمن مكاوي
حيرة فاطمة!
مرام عبدالرحمن مكاوي
عقد التغيير
مرام عبدالرحمن مكاوي
ليكن (فرماناً) ضد التمييز
مرام عبدالرحمن مكاوي
جدة.. يا وهج الشمس
مرام عبدالرحمن مكاوي
مدن الملح
مرام عبدالرحمن مكاوي
تعاطفنا.. بين الوطنية والأممية
مرام عبدالرحمن مكاوي
وهذه لماذا لا تستوردونها؟
مرام عبدالرحمن مكاوي
المرأة السعودية: أي تطور تريد؟
مرام عبدالرحمن مكاوي
المرأة السعودية على غلاف مجلة التايمز
مرام عبدالرحمن مكاوي
لم ينجح أحد
مرام عبدالرحمن مكاوي
كايا.. العالمي!
مرام عبدالرحمن مكاوي
إلى الأميرة الإنسانة
مرام عبدالرحمن مكاوي
المزيد >>
حالة الطقس
25 38 مكة المكرمة
24 35 المدينة المنورة
20 32 الرياض
20 32 الدمام
22 33 جدة
16 28 أبها
المزيد>>
اختيارات القراء للأخبار خلال اليوم
أكثر خبر قراءة
أمطار الرياض.. غرق أنفاق وشلل مرور وتعطل دراسة
أكثر خبر إثارة للتعليقات
أمطار الرياض.. غرق أنفاق وشلل مرور وتعطل دراسة
أكثر خبر طباعة
كان أحد أهم المفكرين العرب المؤثرين بإنتاجهم الفكري
أكثر خبر حفظا
كان أحد أهم المفكرين العرب المؤثرين بإنتاجهم الفكري
اختيارات القراء خلال أسبوع /شهر
اختيارات القراء للمقالات خلال اليوم
أكثر مقال قراءة
للسعيدي: خارطة بيوت للانتهاك
أكثر مقال إثارة للتعليقات
حفلة عيد ميلاد!
أكثر مقال طباعة
للسعيدي: خارطة بيوت للانتهاك
أكثر مقال حفظا
للسعيدي: خارطة بيوت للانتهاك
اختيارات القراء خلال أسبوع / شهر
الارشيف
التاريخ  Pick a Date  

مبتعثــــــون