الأمر الجيد في المجالس الشورية، تنوع الحوار، وتنوع الطرح، وأثناء إعداد نظام مكافحة التحرش الجنسي، وبعد أن بدأت مناقشته في مجلس الشورى، سمعنا كلمات أو همسات، تتخوف منه، أو على الأقل لا تعطيه الأهمية الكافية، وفي الأسبوع الماضي، عرضت صحيفة المدينة الغراء، نقلا عن بعض الأكاديميات رفضهن لنظام مكافحة التحرش، بسبب تخوفهن أن القانون الجديد سوف يشجع الاختلاط بين الرجال والنساء في بيئة العمل؟ ومن المفيد أن المجالس الشورية، تمحص الأمر، فلا يخرج نظام، إلا بعد أخذ كل الأقوال، وكل الآراء، وخصوصا رأي المرأة، في قضية تهمها بالمقام الأول، مهما كانت هذه الآراء متعارضة، ومهما كانت الحجج متباينة، فالتشريع للمجتمع، يمس مستقبل أمة. هناك عدد من المستشفيات فيها عمل مختلط، ومباشر، لأنه يصعب الفصل بين الجنسين في بيئة الصحة والسلامة، فقد يمرض الرجل وتذهب به زوجته للعلاج، وقد تمرض المرأة ويذهب زوجها بها للعلاج، وعندما تقبل على المستشفى تجد مجتمعا يضج بالحيوية، لا تستطيع أن تميز فيه بسهولة بين الذكور والإناث، فهناك أطباء وطبيبات، وهناك ممرضون وممرضات، وهناك مراجعون ومراجعات، وهناك إداريون وإداريات، وهناك معمليون ومعمليات، وهناك مرافقون وهناك مرافقات، فكيف نفترض أن ذلك كله ليس اختلاط، أو لا يؤدي للاختلاط، وفي الأسواق يشتري النساء أكثر احتياجاتهن اليومية من رجال، فهو اختلاط شبه مباشر، ومن من نسائنا وبناتنا اليوم ليس لديها جوال؟ بل إن أعداد الجوالات في المملكة سوف تبلغ قريبا عدد السكان، فكيف لا يمكن أن يتصل رجل بامرأة أو العكس، هذا الاحتكاك ألن ينتج عنه أذى؟ قد يتسبب في جرح المشاعر أو خدش الحياء؟ ثم اليوم كل قرارات مجلس الوزراء تشجع على تبني مداخل خاصة لاستقبال المرأة في كل الدوائر الحكومية، فإما أن يستقبلها رجل، أو تستقبلها امرأة وظفها رجل، وكلها اختلاط، وفي التعليم تزيد أعداد الطالبات يوما بعد يوم عن أعداد الطلاب، وكذلك المعلمات، وكل القرارات العليا تعود إلى قيادات رجالية، فالاختلاط قد يتم عبر المكالمات، أو عبر تقديم المعاملات، وكذلك في المحاكم الشرعية، هناك خصم وقاض، وهناك محام وهناك شهود، وهناك تظلم، وقد تحتوي القضية على عدد من الرجال والنساء، فهل نخفي رؤوسنا تحت التراب لنقول لكل ما هو جديد، هذا لا يناسبنا، لأننا لا نرغب في كشف المستور.أنناأت إن الغرف التجارية بدأت ترشح وتنتخب أعضاء مجالس الإدارة من السيدات، والترشيح لا يتم في معزل عن الرجال، والنساء المنتخبات أو المعينات كما تم في غرفة جدة، يعملن مع الرجال، لأنه لا يمكن أن يكون لدينا غرف تجارة رجالية وغرف تجارة نسائية، ومع ذلك، فالقانون الجديد، لا يعني أن كل الرجال وحوش يتربصون بالنساء، ولا يعني أن كل النساء فرائس سهلة للمغرضين والمرضى، ولكن القانون يعنى بتوثيق العلاقة الثنائية، فمن يريد أن يتعامل بجد، واحترام متبادل فسوف يعطيه النظام التحية والاحترام المتبادل، ولكن من تسول له نفسه استغلال المرأة، فسوف يكون النظام له بالمرصاد، لذلك تعجبت أن يكون المعترض على النظام من النساء، لأن الرجل هو الذي يخاف من النظام، لو كان مصابا بهوس التعدي على حريات وعفة الغير، لكن المرأة المعترضة ما الذي يخيفها في النظام؟ إن جاء أساسا لحماية كرامتها. إن قوانين ضبط الاختلاط، وضبط بيئة العمل لها أحكامها المعمول بها في المملكة، قبل وبعد قانون التحرش، ويجب أن يسير كل مشروع للتطوير في طريقه، فالتخوف من الجديد سوف يجعلنا ندفن أنفسنا في القديم، والتخوف من النور، سيكون عكسه العيش في الظلام والعتمة، ولماذا نفترض سوء النية، ونقول إن نظام التحرش سوف يعطل أنظمة مكافحة الاختلاط، فنظام التحرش ليس فيه ولا حتى مادة واحدة، تنص من قريب أو من بعيد على تشجيع الاختلاط، فالنظام يتكون من ست مواد: المادة الأولى والثانية في النظام تعرف ما هو التحرش وكيف يفسر، والمادة الثالثة والرابعة تتحدث عن مسؤولية الإداريين والمسؤولين لشرح وتوضيح النظام للغير، والمواد الخامسة لبيان آلية التطبيق والتحقيق، والمادة السادسة بيان العقوبات بشيء من التفصيل. أمامي قصة الممرض الذي اعتدى على مريضة، في حائل، بعد انتحاله شخصية طبيب، وهددها بالتبليغ عنها لو لم تستسلم له مرة أخرى، أليس هذا في مجتمعنا، ونشرته كل الصحف الأسبوع الماضي، هل يصح أن نقول هنا إننا لسنا بحاجة لقانون ينظم العلاقة الأخلاقية بين الرجل والمرأة، وهناك عشرات بل مئات القصص المتشابهة، التي وضعتها مشكورة هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في بحث علمي ميداني يقومون به حاليا، بعنوان (ابتزاز النساء لممارسة الفساد)، مما يدل على أن الحقائق الدامغة وإن خفيت على البعض، فإن جهات الاختصاص على علم بها، ومن المهم وضع الضوابط اللازمة لمنعها، وللحد منها، ومسودة القانون جاءت بعد دراسة متأنية لمجموعة من قوانين التحرش، المطبقة في كندا، وأيرلندا،وتركيا، وبريطانيا، ومصر، والأردن، والجزائر، وتونس، وقطر، والإمارات، وسوريا، فآمل أن نصل إلى قناعة مشتركة بأهمية خروج نظام لمكافحة التحرش الجنسي بالمملكة أسوة ببقية دول العالم.