مشاركة السعودية في قمة مجموعة العشرين التي تنعقد اليوم بمدينة الضباب اللندنية عاصمة بريطانيا العظمى جاء لسببين رئيسين. الأول لكون السعودية، بفضل من الله سبحانه وتعالى ثم بعزيمة الملك عبد الله بن عبد العزيز، حققت بالفعل أحلام الشعوب النامية بمبادئها الأخلاقية الثابتة ومبادراتها النوعية الخلاّقة وأعمالها الإنسانية المشرّفة ومساهماتها التنموية الطموحة. والسبب الثاني جاء لمكانة السعودية الفريدة كأكبر منتج ومصدّر للنفط في العالم، ولكونها صاحبة الاقتصاد الأكبر في منطقة الشرق الأوسط، ولأنها تتمتع بالمركز الثاني عشر عالمياً في صادرات السلع، والمركز الثامن عشر من بين أكبر 20 إقليما اقتصاديا عالميا في قيمة الناتج المحلي الإجمالي الذي فاق 560 مليار دولار في العام الماضي. تمثل قمة العشرين مجموعة مكونة من 20 إقليما اقتصاديا تضم 46 دولة، وهي بالترتيب حسب قيمة ناتجها المحلي: الاتحاد الأوروبي (27 دولة)، أمريكا، الصين، اليابان، ألمانيا، بريطانيا، فرنسا، إيطاليا، الهند، روسيا، البرازيل، المكسيك، كندا، كوريا الجنوبية، تركيا، إندونيسيا، أستراليا، السعودية، الأرجنتين، وجنوب أفريقيا. وتمثل هذه الدول في مجموعة العشرين 75% من شعوب المعمورة و85% من اقتصاد العالم و90% من قيمة التجارة العالمية. قبل انهيار الأسواق المالية والعقارية في نهاية العام الماضي، كانت قيمة الاقتصاد العالمي تساوي 56 تريليونا من الدولارات. في الأشهر الثلاثة الماضية فقط وصلت خسائر العالم إلى 17 تريليونا من هذه القيمة، تعادل 150% من قيمة التجارة العالمية في السلع والخدمات، معظمها كانت نتيجة الخسائر التي منيت بها اقتصاديات الدول المتقدمة والتي سارعت متأخرة لمعالجتها والحدّ من تفاقمها. في قمة مجموعة العشرين سيطلع زعماء الدول على حجم التجارة العالمية الذي سجل أكبر تراجع عرفه التاريخ منذ الحرب العالمية الثانية بنسبة 9%. انخفضت الصادرات بنسبة 20% في سنغافورة و35% في اليابان و41% في بعض دول أمريكا الجنوبية و42% في مجموعة الدول النامية. وانخفض حجم النقل الجوي بنسبة 26% في جميع أنحاء العالم، بينما انخفض نمو القطاع السياحي والفندقي بنسبة 16%. في القمة ستتجه الأنظار إلى الدول التي استباحت أنظمتها المالية أحكام العولمة الاقتصادية وأخلت بشروط التكافؤ في الفرص بين الحقوق والواجبات وتمادت باستخدام الأساليب الحمائية المشوهة للتجارة. كان من واجب الدول المتقدمة أن تقوم بتنظيم قواعد المقايضة المالية والتمويلية ومراقبة أحكام الرهن العقاري وتقنين القروض التمويلية وتقليص ديونها قبل أن تستشري الفوضى في أسواقها المالية. وكان من واجب كافة الدول الغنية أن تسعى جادة لفتح المزيد من أسواقها أمام صادرات الدول الفقيرة بدلاً من عرقلة انسيابها عبر الحدود بالعوائق الفنية والضرائب التمييزية حتى لا تتفاقم أسعار المواد الأساسية والغذائية العالمية. وكان من واجب الأقاليم الزراعية أن تتوقف عن تقديم الدعم المادي لصادراتها الزراعية حتى لا تحرم الدول النامية من منافستها العادلة. وكان من واجب الدول النامية أن تتحد لتكوين تحالفاتها وتقف بمساعدة خبرائها سداً منيعاً أمام تمادي الأقاليم الاقتصادية المتهورة. واليوم في قمة مجموعة العشرين، سيطلع زعماء الدول على فقرات تقرير منظمة التجارة العالمية الصادر قبل أسبوع حول أسباب الأزمات الاقتصادية المتلاحقة. لا بد أن تتلقى السعودية نظرات الغيرة المشوبة بمزيج من الإعجاب على ما جاء في التقرير الذي خصّ السعودية بثلاث فقرات مميزة، أشاد فيها بقدرة أنظمتها المالية على دحر تداعيات الأزمة المالية، وصبرها على عدم استخدام الأساليب المشوّهة للتجارة لحماية مصانعها ومزارعها، وتصميمها على المضي قدماً في مشاريعها التنموية. ومع ذلك لن يهدأ بال دول مجموعة العشرين حتى يقوموا بمطالبة السعودية برفع قيمة حصتها في البنك الدولي لاستنزاف ما تبقى من خيراتها. أتمنى من السعودية ألا ترضخ لمطالب الدول في ضخ المزيد من الأموال في بنك (الفقراء) الدولي، فلقد حان الوقت لكي تقتنع الدول بأن أحكام العولمة لا تخولها استباحة مبادئ الحرية الاقتصادية على حساب العدالة في تحرير الأسواق التجارية، ولا تمنحها حق استنزاف خيرات الدول النامية لانتشال أنقاض تداعيات سياساتها المالية.