لحظة من الوجع كبيت العنكبوت تعتريك، حين تتأمل وجه جبران ذي الخمس عشرة سنة؛ الذي أصبح فجأة عريسا متزوجا من ابنة عمه التي تكبره بسنة واحدة، وهو ما يزال في صفه السادس ابتدائي كما نشر في "الوطن" منذ أكثر من أسبوعين، ولا تمل تتفحص جسده الضئيل المسحوق الذي يكاد يكون أيقونة في مواجهة فلاش الكاميرا، متوسطا والده وعمه بابتسامة تنم عن رجولة لم تنضج علامات مراهقتها بعد، فيما مسؤوليات الرجولة يكاد ظهره النحيل لم يفهم كيف يحملها! . العلقم المرّ نفسه تتذوقه وأنت تتأمل "مريول" آمنة الأزرق ذات العشر سنوات التي تدرس بالصف الخامس الابتدائي، وتتحدث عن عقد قرانها على شاب يكبرها بخمس عشرة سنة، ستزف إليه بعد شهرين فقط، بدأتها بـ"نعم" طمعا في حلوى وآيس كريم يشتريها لها من البقالة، والحمد لله أن ملامح وجهها مُحيت من صورة "الوطن" التي نشرت مع التحقيق حولها، وإلا بقيت أحلامها شبحا يطاردنا جميعا، ولا تكف عن لومنا. كنت أحاول تخيل أسرة تتكون في المجتمع أحد قطبيها طفل أو طفلة، لم يشتد عودهما بعد، تخيلت عقل آمنة الطفولي الذي لا يختزن في تجاربه سوى صور لأبطال الكرتون المتحركة، "توم وجيري" و"زينة ونحول" و"الكابتن ماجد" و"سندريلا" وغيرها، تخيلتُ تيه حلمها بأن تصبح كمعلمتها "سلمى"، عندما تُصدم بتلك اللحظة المجهولة بعد شهرين حين يقفل الزوج أبواب بيته عليها، وتتبخر معها الحلوى والآيس كريم والبقالة ورسوم الكرتون المتحركة، اللحظة التي عجزت أمها أن تفهمها إياها حين دفعتها لتقول "نعم" لعاقد الأنكحة الذي لم يخف الله تعالى فيها والدين الذي يعقد نكاحها باسمه. ثم يبقى ما بين آمنة وجبران واحة من التعب، أُهدر معها أحلام لم تكد تأتي كما عمراهما الخديجان، وجسداهما اللذان كسدا قبل نضوجهما، فأمرهما وأمر من سبقوهما ومن سيلحقهما في يد كهول ما زالوا يقتاتون على عادات وتقاليد لجاهلية عرجاء تمشي بيننا؛ ولا تخجل منها مآذن المساجد بل واستصغرتها أمام دروس منابرها حول أمور الأمة العظيمة!. ما بين آمنة وجبران واحة من وجع بيعت للثرثرة، نلوكها مع الماء ظمأ، ونحن نطالع قصتهما منشورة على الملأ، نثرثر حولهما مع فنجان قهوة عربية "مرّة" أثناء لعبنا "البالوت" أو مع شرب "الكابيتشينو" في مقهى "أمريكي" بأحد المولات الكبرى التي تنبت بيننا، ونمضغ بهما الوقت الضائع، ولا بأس في التنديد بتقاليدنا العرجاء التي ظلمتهما، تحت مظلة مجلس الشورى وعلى طاولة جمعية حقوق الإنسان، فأصحابها يحتاجون صورة منشورة ومنصباً أعلى!، ثم ماذا بعد!؟ لا قانون ولا مبادئ ولا حياة لمن تنادي. ما بين آمنة وجبران واحة من العجز لمجتمع اعتاد الثرثرة؛ كي نمضغ الوقت الضائع مع شربة ماء باردة، دون مبالاة.