سي السيد السعودي رأيته بعيني حقيقة وليس تمثيلاً... في الأرض التي تخلو من المباني وتقف فيها السيارات... جنوب مبنى الفيصلية بمدينة الرياض... كنت قادماً من قاعة الاحتفالات في الفيصلية الجديدة بعد صلاة العشاء باتجاه سيارتي الموجودة في تلك الأرض... وعبرت الشارع الذي يفصل بين الفيصلية والموقع الذي تقف فيه السيارات... وكانت الأنوار كما أتذكر خافتة بعض الشيء... ورأيت سي السيد من بعيد ينزل من سيارة (جيمس).. صبي صغير مع مجموعة من النساء... يبدو ومن المشهد أنهن أمه وأخواته. سي السيد المصري كما تعرفون جسدته الأفلام المصرية... وهو ذلك الرجل الضخم (الحمش) المنتفخ الأوداج الذي يلبس الطربوش الأحمر الزاهي ويضع الشال الملون فوق إحدى كتفيه... وإذا دخل البيت (تنحنح) أو قال (أحم) أو (يا أهل الدار) ليعرف الجميع بدخوله... وحينئذ يهب الجميع قياماً من شدّة هيبتهم منه... وقد يتراكضون باتجاهه مرحبين... وتتبعه زوجته لغرفة النوم لتأخذ عباءته وطربوشه، ثم تخلع حذاءه عندما يجلس... وتحضر الماء والملح لتدلك بهما قدميه... وإذا سمع أو شاهد أو علم بما لا يرضيه (زأر) فارتج على كل من في البيت وأصابهم الرعب، والتصقوا بالحيطان. هذا هو سي السيد المصري.. الزوج.. والأب.. أما سي السيد السعودي... فليس الزوج ولا الأب... بل أخو البنات... وليس الرجل الضخم... بل الصبي الصغير... وهو لا يشبه سي السيد المصري إلا في كونه... (الحمش)... صاحب الكلمة الأولى والأخيرة... وليس حامي هيبة الرجولة... بل حارس البنات. عندما عبرت الشارع متجهاً نحو سيارتي كان سي السيد قد نزل مع أمه وأخواته من السيارة، وتوقف بجانب الباب الأمامي، حيث كان يجلس، وظل واقفاً ينتظر انتظام (رعيته) في السير إلى الأمام نحو الفيصلية كأنه راعي الغنم الذي يقف ليشرف على اكتمال مسيرة غنمـه وعدم تخلف أي منهن، ثم نظر سي السيد يميناً وشمالاً وأدار رأسه للخلف ليتأكد من الاكتمال حتى لا تتخلف واحدة من (أغنامه) فتفترسها (الذئاب). ولأنه اعتبرني ذئباً قادماً من الأمام فقد أسرع الخطى ليكون في مقدمة (غنمه) واستمر ينظر نحوي، ويبدو أن إحدى أخواته كانت منشغلة بإحكام حجابها ولم تنجح بعد في ذلك، فالتفت نحوها وقال بصوت مسموع وهو يهز يده... يا لله.. تغطي بسرعة... واتجه بنظره بسرعة نحويّ، ثم لأخته وهو يقول.. بسرعة.. يالله.. وانتظر قليلاً وهو ما يزال يرفع يده.. ثم قال"... استعجلي.. الله ياخذك.. وظل يحرك وجهه بسرعة بيني وبين أخته وهو (يهش) بيده... يالله.. يالله.. ثم انفجر صارخاً... ما تسمعين... غطي وجهك بسرعة.. الله ياخذ هالوجه. كان يفصل بيني وبينه هو وأخواته ما يقارب الـ30 متراً حين سمعت الشخط.. والنطر.. وكان المفروض أن أمر بجوارهم بفاصل يقارب الـ10 أمتار... لكنني بعد أن سمعت ما سمـعت شعرت بالدهشة والذهول... وارتعدت فرائصي خوفاً من أن يغيِّر (أخو البنات) رأيه فيصب جام غضبه عليّ بدلاً من أخته... ولذلك انحرفت بسرعة مبتعداً عن (الأسد الغضنفر) وعن سيارتي أيضاً، وأنا أهز رأسي وأبتسم من المشهد العجيب. عمر (أخو البنات) كما يبدو لا يتجاوز الثانية عشرة وطوله في حدود المتر ومعه خمس نساء بمن فيهن أمه، كل واحدة منهن طوله مرتين تقريباً، لكن هو.. المحرم.. هو حامي الشرف.. حارس البنات.. هو الأسد الغضنفر... هو يشعر بذلك بالتأكيد... وهذا الشعور لم يكتسبه من يوم أو أسبوع أو شهر أو سنة... ولم يكتسبه من تربية المنزل فقط... ولا من أقوال أمه فقط... بل من تربية المجتمع... ومن الأحاديث التي يسمعها... في المدرسة... وفي الشارع... ومن المشاهدات... من أمور عديدة يصعب حصرها. ولمحت (أخو البنات) وهو يعّدل من وضع غترته الكبيرة التي تتدلى إلى ما تحت ركبته بعد أن شعر ببعض الراحة بعد ابتعادي... ثم التفت لأمه وأخواته رافعاً يده طالباً التوقف فيما يبدو بعد أن شاهد سيارة تتجه نحوهم.. وظل واقفاً وجهه باتجاه السيارة ويده باتجاه (محارمه) حتى جاوزتهم السيارة، فأعطى إشارة الاستمرار. انحرفت نحو سيارتي بعد أن ابتعد سي السيد السعودي وكنت مازلت أبتسم وأهز رأسي وتذكرت سي السيد المصري... يا له من مشهد مذهل... أليس كذلك...؟!