فرحة الشيخ بخطاب أوباما.. لماذا لم تفرح بنا نحن إذا؟
لأول مرة،، كان لدى خطيب الجمعة في حينا هذا الأسبوع موضوع جديد ومختلف ليناقشني فيه، ويتحدث معي بشأنه، فخلاف أحاديثه السابقة التي لا تعدو كونها نصائح جافة ومكررة، كان حريصا أن يستوقفني ليتحدث عن خطاب باراك أوباما، وقبل أن يأخذ الحديث مساره باغتني قائلا: هل سمعت خطاب أوباما في القاهرة، يبدو أن الرجل فيه خير وصلاح. في الحقيقة إن هذه الجملة، وهذا التوصيف تحديدا على لسان هذا الخطيب وغيره من الملتزمين والذي لم نحظ به طول هذه السنين لا أنا ولا الكثيرون من زملائي الكتاب حظي به وبكل اقتدار وبلا تردد رئيس الولايات المتحدة الأمريكية، وهو ما يضع المفارقة في أكبر حالاتها وأكثرها دهشة. إذ بينما يخوض كثير من المتدينين التقليديين صراعا يوميا مع أبناء وطنهم من كتاب وإعلاميين ومسؤولين، ويفتحون أبواب المعارك والحروب التي تبدأ من مواقع ومنتديات الإنترنت ولا تتوقف عند الفعاليات والمناسبات الثقافية والفنية (كان آخرها قبل يومين في الرياض أثناء عرض فيلم مناحي في مركز الملك فهد الثقافي) ها هم وبكل ترحاب يحتفون بخطاب حر ومدني وإنساني وعلى لسان رئيس أمريكا. حين نتحدث عن التدين القائم والذي يتسبب في كثير من الإشكالات مع مختلف نقاط ومظاهر الحياة اليومية، بدءا من الأفكار كالتعدد والتنوع والاختلاف، وصولا إلى الخوف المستمر من كل ما يستجد في الحياة فيما يتعلق بقضايا المرأة والعلاقة مع الآخر، والتحديث الذي يطال مختلف المؤسسات، فإننا نتحدث عن شكل من أشكال الخلل الثقافي والعرفي والتي باتت تمثل الصفة الأكثر طغيانا على تصرفات ومفاهيم التدين التقليدي، ليصبح تدينا شعبيا ينطلق من مختلف القيم العامية. إلا أن هذا التدين الشعبي يجد نفسه في ورطة حقيقية حين يتناول قضايا العالم أو يتداخل معها، فبكل تأكيد لن تجد شيخا يتحدث عن مخاطر قيادة المرأة المصرية أو الأردنية أو حتى الخليجية للسيارة، ولا عن السفور في ماليزيا (بالمناسبة تعد من أفضل الوجهات السياحية لكثير من الملتزمين لأنها بلد إسلامي بامتياز) بل على العكس من ذلك، حسن يعود من أي من تلك البلدان لا يتوقف عن إطرائها وكيل المدائح لشعبها ولالتزام نسائها بالحجاب، ذلك الحجاب الذي لو تحدث عنه أحد في مقال في الوطن أو في الرياض، أو تناوله بالإجازة الدكتور العودة أو العبيكان لكان اتهاما للأول بالعلمانية والدعوة إلى الفسق، واتهاما للثاني بتمييع الدين. إذن فالمحافظة بالنسبة لهم ليست حفاظا على التدين، بقدر ما هو حفاظ على النسخة المحلية للتدين والقائمة على الأعراف والموروثات الاجتماعية. بدءا من مساء الخميس الماضي احتشد الآلاف من كلمات الثناء والتبجيل والإطراء في مختلف المنتديات الإسلامية والدينية وفي مختلف المجالس وفي كثير من المطبوعات والزوايا الصحفية ذات التوجه الملتزم، وكان الإنترنت هو الأكثر لفتا للأنظار، حيث لم يكن الموقف من أوباما إيجابيا بسبب أنه يمارس ضغطا جديدا على إسرائيل فيما يتعلق ببناء المستوطنات، ولا ابتهاجا برؤيته السياسية أو بالكاريزما التي يحملها ولا بطريقته في الحديث، مما يعني أنها سعادة تشير إلى نوع من الرضا عن ذلك الخطاب ومن الارتياح لما ورد فيه من آراء ومواقف عامة، وما تضمنه كلامه من استشهاد بمعان من القرآن الكريم تحمل أفكارا إنسانية ومدنية كالمساواة والحقوق والعدل. لكن بالمقابل، تلك هي أبرز النقاط التي تمثل مبررات الثورة والغضب والتفسيق والتجمهر والمظاهرات الإلكترونية ضد الكتاب والمثقفين والمسؤولين والوزراء والفنانين، هي ذات المعاني وذات القيم، بل ربما كان ما يصدر عن كاتب أو إعلامي في الداخل أكثر محافظة وهدوءا مما قاله الرئيس أوباما في خطابه، والذي تحدث فيه عن الحرية الدينية والحق في الاعتقاد والموقف من الآخر والدعوة إلى التسامح وحرية النساء في ارتداء الحجاب وأهمية الديموقراطية في حياة الناس، والعوامل الإنسانية المشتركة وأهمية أن تشارك المرأة في البناء في مختلف المجالات. هذه هي العناوين التي تمثل مادة الجدل في الحياة السعودية، بل والتي تسبب غيابها في كثير من الإشكالات التنموية والوطنية، فقضايا عمل المرأة وحرية تعدد الآراء والموقف من الآراء، والدعوة المستمرة إلى ضرورة وجود خطاب ورؤية وطنية تصبح فيه مختلف المؤسسات مشغولة بصناعة الفرد الوطني وليس الفرد الأممي. إن كل ما جاء في خطاب أوباما يمثل القيم الحقيقية للمدنية، ولنقل الليبرالية بمفهومها الذي يمكن أن يكون رائجا، فليبرالية أوباما ومع أنها جاءت على لسان وفكر رجل غير مسلم إلا أنها لا تصادم الأديان ولا تدعو لهدم الفضيلة، بينما تلك التهم تجدها كثيرا في تعليقات القراء على كثير من المقالات لكثير من الكتاب السعوديين. كان أطرف تعليق على خطاب أوباما وفي أحد المنتديات وتحت اسم: أبو البراء: والله لا ينقصه إلا أن يكون مسلما وابن حمولة ويحث زوجته على الحجاب !! وفي الواقع فإن أوباما لو كان بتلك الصفات ربما لم يتسن له يوما أن يدخل إلى البيت الأبيض.