وزارة التجارة، والصمت الرهيب: "زينل" مدعو لحل "اللغز"
يقال "الصمت حكمة"، وهو كذلك فـ"المرء مخبوء تحت لسانه"، لكنه ليس حكمة دائماً، بل أحياناً يكون ضرره أعظم كثيراً من نفعه، فإذا قسنا الأمر على المؤسسات والإدارات الحكومية، والوزارات فإن صمت بعضها ليس فيه من الحكمة مثقال ذرة كما أعتقد، وسأضرب مثلاً، ففي فترة مضت كانت كل الجهات الحكومية لا تتجاوب مع وسائل الإعلام، لا تعطي معلومات ولا ترد على شكاوى، وكان بعضها يعمل ويجتهد ويستطيع أن يبرز ما لديه ويرد على ما يسأل عنه، والبعض الآخر بالعكس لكن الكل صامتون، وهنا يتساوى النائم والمستيقظ، والعامل والخامل والنشط والكسول، وهكذا. الآن تحولت بلادنا إلى ورشة عمل كبرى سواء على مستوى العمل الميداني المتمثل في تنفيذ مختلف المشاريع الخاصة بالبنية التحتية، أو على مستوى الإدارات والوزارات التي تعمل على تطوير أدائها والدخول إلى عالم الحكومة الإلكترونية، وهذا انعكس على وسائل الإعلام والصحافة خاصة، فهي تغطي حركة تنفيذ المشاريع الميدانية وترصد وتعلن سلبياتها وإيجابياتها، وتتابع جولات المسؤولين التي فرضت نفسها على الإعلام، وتقابل المسؤولين وتسألهم وتنتقدهم مباشرة عبر الأسئلة أو عبر الكتابة بعد ذلك، وتكاد تكون كل الوزارات ذات العلاقة بالتنمية والخدمة المباشرة للمواطنين حاضرة بكثافة في وسائل الإعلام لأنها حاضرة فعلاً في ميدان عملها، وبطبيعة الحال هناك أخطاء وهناك تقصير وهناك سلبيات لكن الإعلام حاضر ينتقد والجهات المعنية حاضرة ترد وتوضح، عدا جهة واحدة ذات علاقة ومساس مباشر بحياة الناس لكنها ملتزمة تماماً بحكمة الصمت، تلك هي وزارة التجارة والصناعة وهي حكمة متبادلة بينها وبين الصحف، فعلى الرغم من كثرة المشكلات التي تنشرها هذه الصحف ولها علاقة مباشرة بوزارة التجارة، إلا أن الوزارة غائبة صامتة، والصحف لا تسأل ولا تفسر هذا الصمت، لدرجة أنني شعرت أن هناك لغزاً يحتاج إلى حل. لقد حلت على العالم كله الكارثة الاقتصادية، فتحدث وزير المالية، وتحدث رئيس مؤسسة النقد، وتحدث رئيس سوق المال، وتحدث رئيس الغرف التجارية وتحدثت الغرف التجارية، وتحدث التجار، وملاك المصانع، ولم يبق إلا الأستاذ عبدالله زينل وزير التجارة والصناعة، الذي لم يتكلم إلا في حفلات رسمية وبما تقتضيه المناسبة وهو وزير الوزارة التي تعد همزة الوصل الرئيسية بين العالم، وبين المواطنين، فإذا جئنا بعد ذلك إلى ما يمس حياة الناس مباشرة ونظرنا إلى الأسعار فإنها ترتفع وتنخفض ويرتفع صوت الناس ثم يهدأ، والوزارة وفروعها، لا حس ولا خبر. أنا لا أدري عن السبب، هل الوزارة بلغت مستوى من الأداء لم يبلغه غيرها في البلاد وبالتالي ليست في حاجة لأن تتحدث لأن أداءها يتحدث بالنيابة؟ قد يكون هذا وارداً لكن الواقع لا يؤيده فكما ذكرت هناك عشرات المشاكل التي تنشر وتقال، إذن هل لا تتوفر لدى الوزارة الإمكانات المادية والبشرية مثل غيرها لتمكينها من أداء ما هو مطلوب منها؟ ربما، ولكني لا أظن سيما أنني أعرف وزيرها الأستاذ عبدالله زينل، فهو من بيت تجارة وصناعة عريق، وهو شخصياً يملك من القدرات الفكرية والخبرات و"الكاريزما" ما يسمح بأن يوفر الإمكانات التي تحتاجها وزارته، من تحت الأرض وليس من فوقها، بل وهو كما أعرف – وقد التقيته في مجالس عديدة قبل أن يصبح وزيراً – من أشد الناس حرباً على البيروقراطية العقيمة، ومن دعاة الشفافية والوضوح والانفتاح على كل ما هو حديث، فكراً وتطويراً وإنتاجاً. ولهذا السبب الأخير المتعلق بشخصية الأستاذ زينل فإنني والله في أشد العجب، ليس من صمت الوزارة الذي تحدثت عنه آنفاً فقط لكن من الحال المزري الذي يعيشه فرع الوزارة بجدة شكلاً ومضموناً فمراجعوه يقولون بمرارة إنه لا جديد، فلا الأنظمة أخذت بما هو حديث من التطوير الذي يسهل على الناس أمورهم، ولا مستوى العاملين تطور لتتغير معاملتهم ويتحسن أداؤهم، ولا التجهيزات تطورت في الوقت الذي يجري الحديث والعمل فيه على الحكومة الإلكترونية، ولا المبنى المهترئ تغير أو تحسن بل هناك مبان رديفة تضم مكاتب للفرع يمارس المراجعون بينها رياضة المشي يومياً، لجمع التوقيعات والأختام التي ما زال الفرع مقيماً عليها منذ نشأته الأولى، فإذا كانت البعرة تدل على البعير فهل الفروع الأخرى في المناطق تعيش نفس الحال وكذلك الوزارة؟ أم إن لفرع جدة خصوصية وهو ما يشتكي منه الناس؟ إنني أرجو مخلصاً ومحباً أن يحل الأستاذ زينل هذا اللغز، وإذا كان للوزارة مشروعات تطويرية وأدوار بارزة في حل المشاكل المعلنة، والناس – وأنا منهم – يجهلونها فلتعلنها الوزارة، وإذا كانت وسائل الإعلام تتخذ موقفاً سلبياً من الوزارة، فعليها أن تعلن ولو كان إعلانات مدفوعة الثمن. هناك لغز يا أستاذ زينل يحتاج حلاً سريعاً.