لا تزال صورة الشيخ سليمان الخريجي – يرحمه الله - بكل بهائها وهيبتها حية في ذاكرتي. فذلك الشيخ المحتسب، الذي كان يجوب "برحة القزاز" بمدينة الطائف في منتصف التسعينيات الهجرية فترة الصيف، لا تزال صورته الوضيئة مرتسمة في ذاكرة أجيال عديدة أدركوه. وكان يرحمه الله يقوم بأعمال الحسبة في السوق الوحيد بمدينة الطائف، برفقة مجموعة شباب متطوعين مع نفر من العسكر، يجوبون السوق لضبط الأمن والأخلاقيات. وكنت ولداتي نفرق من هيبته، ونهرب من أمامه ونحن بسن العاشرة من أعمارنا إذ ذاك، وبالتأكيد إن الجيل السابق لنا من أمثال فهد العرابي الحارثي وقينان الغامدي وعثمان الصيني وحماد السالمي وعبدالله العمري، يتذكرون الرجل وشهرته لدى شباب تلك المدينة الحالمة والصغيرة وقتذاك. ذلك أن من وقع في يديه من الشباب ذوي الشعور الطويلة، يرسله الشيخ الخريجي رأسا لصالون الحلاقة، ولمّا تمض بضع دقائق وإلا ويخرج برأس حاسرة تلمع . ما استدعى الرجل في سطوري، هو موضوع الصورة الذهنية لرجال الحسبة لدى المجتمع، وخصوصا فئتي الشباب والفتيات، وأتساءل: هل ما زالت صورة الشيخ الخريجي تنتقل من جيل إلى جيل، وهل بقي رجل الهيئة في ذهنية المجتمع هو ذاك المترصد للأخطاء؟ المصاحب للعسكر بكل نفورنا ووجلنا الطبيعي من أصحاب البساطير؟ وهل ما زال رجل الهيئة هو المطارد للمراهقين بسيارته الجمس؟ التصريح التاريخي لسمو النائب الثاني قبل أسابيع في دعم إخوتنا بجهاز هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر جاء في أوانه، والجهاز يتعرض لحملات إعلامية بها كثير من التضخيم والترصد، والتصريح وإن أفرح قلوب كثير من رجالات المجتمع الذين يدركون الدور المجتمعي العظيم الذي يقوم به هؤلاء الرجال، إلا أنه من جهة أخرى أضفى عليهم- برأيي- مسؤولية أن يكونوا في مستوى الثقة التي أولاها سمو النائب الثاني لهذا الجهاز، وقد أكد حفظه الله أن جهاز الهيئة باق ما بقيت دولة الإسلام. وأكيدٌ أن معالي الشيخ عبدالعزيز الحمين يدرك حجم هذه المسؤولية التي حملها تصريح سموه الكريم. وما يجعلنا نتوسم في ذلك هو حداثة سن معاليه، وقد أدرك وتلمس هذا الانفتاح المجتمعي العريض، فلم يعد شبابنا كما كنا في السابق أمام هذا الضخّ العولمي والمعلوماتي الكبير، مما يجعل مثلي من المحبين والحادبين على أحبتنا في جهاز الحسبة يطالبون بإحداث ثورة في عمل رجل الهيئة، وبدء مرحلة جديدة يقترب فيها هؤلاء الفضلاء من نفسيات الشباب والفتيات، ورسم صورة ذهنية إيجابية خلاقة، تشعر المجتمع أن وجودهم لمصلحتهم بالدرجة الأولى. ولربما كانت تجربة ابتزاز الفتيات مثالا جيدا لما أرمي إليه، فهذا الجانب من عمل رجال الهيئة وقد أبدعوا في التصدي له، لا يختلف أحد، حتى من المعارضين للهيئة، على أهمية الدور الذي قاموا به. والطريقة المثلى التي اتبعوها في الستر على الفتيات وحل مشاكلهن بعيدا عن آبائهن، وإيقاف تلك الذئاب البشرية عند حدها، مما جعل صورة رجل الهيئة الأقرب للأب الحاني لدى تلك الفتاة التي تورطت بفعل مرحلتها العمرية وانجرفت بعيدا. أمثال هذه القضايا يجب التركيز عليها من قبل أحبتنا في الهيئة،وإبراز دورهم المجتمعي الايجابي بشكل لافت، وتوظيفها إعلاميا بطريقة احترافية. وإن كنت بدأت بالشيخ سليمان الخريجي يرحمه الله، فلعلي أن أختم بمطالبة معالي الشيخ الحمين بضرورة تكريمه وتكريم كثيرين ممن خدموا هذه الهيئة وتخليد أسمائهم والتعريف بهم لدى الأجيال الجديدة. وللأسف أن أحبتنا في المؤسسات الشرعية عموما لا يولون هذه القضية اهتمامهم، ودونكم ما تفعله وزارة الثقافة والإعلام برموزها في المناسبات الكبرى، عبر إطلاق أسمائهم في معارض الكتب، وإقامة ندوات ومؤتمرات للتعريف بهم، وطبع الدراسات الخاصة التي تتحدث عن إسهاماتهم الثقافية والفكرية. لن يعرف أحد من هذا الجيل عن الشيخ عمر بن حسن آل الشيخ الذي قام بأعمال الاحتساب عام 1345هـ وصار رئيساً لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بمنطقة نجد. ولم يسمع هذا الجيل بالشيخ : عبد العزيز بن عبد اللطيف آل الشيخ - رحمه الله- الذي كان يقوم بالحسبة تطوعاً في مدينة الرياض في عهد الملك المؤسس يرحمه الله، والذي كلفه فيما بعد بأعمال الاحتساب ..أسماء كبيرة مثل الشيخ عبد الرحمن بن إسحاق آل الشيخ والشيخ عبد اللطيف بن إبراهيم آل الشيخ -رحمهما الله- اللذين كانا من رموز الاحتساب، لا يعلم سوى القلة عن سير كل أولئك الأجلاء وبمعلومات يسيرة لا تفي حقهم وما قدموه. وبالتأكيد قائمة أسماء طويلة لا نعرفها، ولكن الله تعالى يعلمهم ويعلم ما قدموا من عمل واحتساب، غير أن ذلك لا يمنعنا من التعريف بفضلهم وسيرهم، وطرحها أمام الأجيال كنماذج خيرة ومتفانية في رسالتها.