الأخلاق مسؤولية الجميع وليس الهيئة فقط "درة العروس" أنموذجاً
يبدو أن السيل قد بلغ الزبى في منتجع "درة العروس" في أبحر الشمالية بالقرب من جدة الأمر الذي أجبر السلطات الرسمية بإرسال فريق من هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلى ذلك المنتجع المغلق وافتتاح فرع لهم في إقامة دائمة. يفترض أن هذا المجمع كغيره من العشرات من المجمعات السكنية المغلقة في المملكة لا يخلو من تواجد رجال أمن تكون مهمتهم ضبط المخالفات داخل المجمع وتطبيق لوائحه وتشريعاته. لكن يبدو وكما هو واضح من واقع تدخل الحكومة بهذا المستوى أن إدارة هذا المنتجع وجهازها الأمني وربما لوائحها وأنظمتها لم تكن على المستوى المطلوب في تنفيذ هذه اللوائح إن وجدت، أو في ضبط السلوكيات. المزعج هنا ليس بالطبع اللجوء لجهاز الهيئة فالهيئة ذراع من أذرعة الدولة ويمكن استخدامها في أي وقت ومكان. المزعج أن السلوكيات والآداب والتحرشات الجنسية أصبحت بمنأى عن الشرطة وأفراد الشركات الأمنية، وكأن غياب الهيئة يعني الانفلات الكامل. أقول ذلك رغم أن ضبط هذه الأمور يفترض أن يكون من أبجديات عمل أي جهاز أمني سواء كان هذا الجهاز خاصاً أم حكومياً في أي مكان في العالم. هذه هي النقطة المفصلية في نظري، إذ إن الهيئة في الأصل جهاز صغير في عدد أفراده ومستوى تدريب هؤلاء الأفراد مقارنة بالشرطة، ولهذا فزج الهيئة في مواجهة مثل هذه القضايا، قد ينطوي على مخاطرة ومواجهات لا طائل للهيئة بها. الآن وأكثر من أي وقت مضى ترسخت لدي القناعة بأن المطالبة بتهميش دور الهيئة في المملكة كما أسمع وأقرأ، وبدون إيجاد البديل الأمني لها، يعتبر ضرباً من ضروب الانتحار الذي لا يمكن لعاقل تقبل نتائجه. المطلوب إذاً أن يكون دور الدولة وأجهزتها الأمنية متجهاً نحو تكريس دور شركات الأمن ورجال الشرطة في مواجهة مثل هذه السلوكيات والتحرشات سواء وجدت الهيئة أم لم توجد، وأن يعتبر موضوع التحرشات والمعاكسات مساوياً لموضوع السرقات والمخالفات الأمنية الأخرى، وإلا فأننا هنا نسلم بأن الأعراض أرخص من الممتلكات المادية التي يعتبر التعدي عليها جريمة. كخطوة أولى نحو هذا التوجه أقترح أن يتم تعميم المخالفات التي ينص عليها نظام هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (لا أعلم إذا كان يوجد لدى الهيئة قائمة كهذه أم لا) على كافة أقسام الشرطة والشركات الأمنية المكلفة بالحراسات وضبط المواقع، سواء ما كان منها مجمعات مغلقة أو مراكز تسوق وترفيه. الخطوة التالية نشر هذه المخالفات وعقوباتها عبر وسائل الإعلام ليطلع عليها المواطن والمقيم معاً. يلي ذلك تدريب الأفراد على التعامل مع مثل هذه القضايا وتوضيح الإجراءات المتبعة. يوجد بالطبع الكثير من الإجراءات التي لا يتسع المقام هنا للخوض فيها. الهدف الذي نسعى إلى تحقيقه من وراء اقتراح كهذا هو تكريس مفهوم الأمن المجتمعي بالشكل الذي يفضي إلى محاصرة التحرشات والتعديات التي تمس أعراض الأفراد، ونشر الوعي وتوسيع دور الكثيرين ممن يقومون بأدوار أمنية أخرى. نحن لم نأت بجديد هنا إذ وكما يعلم الكثير من القراء أن التحرشات الجنسية ومضايقة الأفراد إنما يعتبر جريمة يعاقب عليها القانون في العديد من دول العالم. كم من مدير وكم من مسؤول بل وكم من عضو في الكونجرس أو في أي برلمان أو حتى وزير في حكومة تمت محاكمته وإسقاطه بسبب مثل هذه التحرشات. هنا سننتقل من مجتمع شبابه منفلت نوعاً ما إلى مجتمع يغلب على سلوك الأفراد به الانضباط وهيبة النظام. هنا سيتحقق لنا جميعاً العيش في أجواء أكثر أمناً على نسائنا وفتياتنا، كما سيشعر القائمون على الهيئة بالمزيد من الوقت للفسحة والتأمل، بحيث يمكن أن يمارسوا أدواراً توعوية أكثر شمولية وفائدة مما نراه اليوم.