في أواخر 2005، كتبت إيمان القويفلي مقالاً بعنوان (جيل الأعوام الكالحة) ما يزال معظمنا يتذكره بمرارة. والضمير (نا) عائد هنا على من كانوا تلاميذ صغاراً في الثمانينيات، وطلاباً جامعيين في التسعينيات. أولئك الذين ترعرعوا في "ثقب أسود" من التاريخ.. حيث لا إنترنت ولا فضائيات ولا برامج ابتعاث. لكن الوضع مختلف الآن.. لحسن حظ الوطن. وعبر أكثر من محور يعيد الشباب السعوديون استكشاف أنفسهم ومجتمعاتهم أيضاً. لا أبالغ إذا قلت إن جيل صنّاع القرار القادم يتشكل أمام ناظرينا، يحمل لواءه المدونون وكتّاب الإنترنت الذين يعبرون عن خواطرهم ورؤاهم بحريّة وبدون التزام بأجندات تيارية.. ويناقشون الأخبار متجاوزين رسمية الصحف المملة. سأبرهن بثلاثة أمثلة معبرة. فقبل أيام قليلة انعقد بجدة (يوم التدوين السعودي). بضعة مدونين سعوديين اجتمعوا ليعرضوا تجاربهم بشكل مختلف عصري جداً و(إنترنتي) جداً. الاجتماع كان تحت مظلة (بار كامب). وهو تجمع دولي غير ربحي لرعاية ورش العمل وجلسات النقاش للأفراد المهتمين بتبادل المعرفة والخبرات. ابحثوا عن صفحته على الـ (فيس بوك). عدد الضيوف الذين حضروا الفعالية -بذواتهم- من الجنسين كان 40 نفراً. وهذا عدد ضئيل حقاً.. لكن لا يهم.. لأن الحضور الأكبر كان (أون لاين) عبر الإنترنت التي بثت قنواتها كامل الحدث بالفيديو حول العالم. المداخلات والتحديثات تواصلت عبر رسائل (تويتر) بالذات. والفاعلية سبقتها حملة إعلانات مكثفة عبر (الفيس بوك) تحديداً. وهكذا فإن اجتماع المدونين الأول قد تابعه المئات في حقيقة الأمر. المثال الثاني هو )جائزة هديل الحضيف للإعلام الجديد). وهديل -رحمها الله- غادرتنا في زهرة شبابها العام الماضي فجأة وعلى نحو فاجع. كانت موهبة فكرية واعدة. وكانت قلماً باهراً. الآن فإن اسمها يكلل جائزة للاحتفاء بـ (الإعلام الجديد).. الإعلام الحر الذي يرسم خطوطه الشباب المستقلون عبر مدوناتهم وأفكارهم على الإنترنت. حول العالم فإن هناك حالة تهيب من هذا الإعلام الجديد كونه غير خاضع لحدود ذاك التقليدي والرسمي. الآن صار بوسع أي أحد أن يكتب في أي شأن ويعلق على أي خبر ليقرأ له العالم كله. وهذه تبدو وصفة فوضوية ومثيرة للقلق. لكن في الواقع وكما يظهر من عشرات ومئات المدونات السعودية.. فإن هناك وعياً باهراً بالواقع ومواهب عظيمة. بل إن المدونات الشخصية قد أثبتت عمقاً في الطرح وذوقاً يفوق بمراحل جُل مشاريع "الصحافة الصفراء" على الإنترنت. وتلك التدوينات في معظمها هي لشباب واعد مثقف.. مبتعثون ومقيمون بالبلد.. طلاب وموظفون.. فتيان وفتيات منفتحون على الدنيا ومحملون بالهم الوطني والرغبة في تطوير العالم. المثال الثالث هو موقع (دروب). هذا موقع "عجوز" نوعاً ما.. لأنه قد بلغ بضع سنوات من العمر.. ولأن القائمين عليه هم في الثلاثينات من أعمارهم. لكن السعوديين (فاضل التركي) و (زينب أبي حسين) وغيرهما يديرون دروب باقتدار وفعالية ليكون موئلاً لمجموعة عريضة من المثقفين العرب المحترفين. شعراء وقاصون وصحفيون. وفوق ذلك كله فإن (دروب) يصر على أن ينزع في مادته للمحتوى العلمي متفرداً عن أنداده. هنا ستجد مقالات في الفيزياء والموسيقى والفلك وتقنيات الإنترنت. ستجد معارض فنية وستجد مواضيع (بودكاست) صوتية أيضاً. دروب كان من أوائل المواقع العربية الكبرى التي تبنت منصة (وورد بريس) للنشر على الإنترنت، وعلّم كتابه عليها، ليتقمص شكل المدونة عوضاً عن نمط صفحة الإنترنت القديم الرتيب. وهو ما يزال حياً وحافلاً بالجديد. تلك الأمثلة أعلاه وغيرها تعبر عن حالة سعودية جديدة وفاعلة. حالة معنية بخلق (ثقافة الرأي). قد يكون من المقلق أن السعوديين -الجيل الناشئ منهم- يجيد التعامل مع العالم رقمياً بأكثر مما يفعل وجهاً لوجه. إن شبابنا وفتياتنا ربما لا يملكون مفاتيح الخطابة والكتابة الاحترافية. ولا الجرأة على التعبير عن آرائهم مشافهة وتحوطهم محاذير اجتماعية ورقابية عدة. لكن هذه كلها ليست أخطاءهم ولا ذنوبهم وحدهم. إنها عاهات خلقتها تربية الأسرة والنظام التعليمي ومحاذير الرقيب الرسمي. لكن ما يبشر بالخير هو هذه الرغبة الممضة لديهم في التساؤل وفي التعبير عن الرأي.. في المشاركة في الهم العام وفي ترك بصمة على الوجود. وهم يفعلون ذلك عبر المتوفر من قنوات التكنولوجيا باقتدار باهر. هذا هو جيل الإعلام الجديد.. وجيل صناع القرار القادم.. الذي ينظر له أفراد سابقه -جيل الأيام الكالحة- بحسد وبفضول وبمرارة أيضاً.. لأن كلاحة أيامه لم تكن من صنع أياديهم هم أيضاً!