كان ناصر يبلغ 12عاماً عندما عاد إلى المملكة قادما من أمريكا عام 1986. ولد ونشأ في سان فرانسيسكو التي ابتعث والده إليها لمتابعة دراسته العليا. كان يومه الأول ممضا وعسيرا في المدرسة الجديدة التي التحق بها في الدمام. كان الجميع يحدق به فور دخوله المدرسة ابتداء بالفرّاش، مرورا بالطلاب ووصولا إلى مدير المدرسة. الجميع كانوا يهمزون ويلمزون ويعلقون على شعره الطويل الذي يصل إلى كتفيه، وسرواله وقميصه في الطابور. كان الطلاب يهزون أكتاف بعضهم البعض ويشهرون سباباتهم التي تشبه المسدسات نحوه قائلين:"شوفوا البنت الجديدة". كان ناصر يفهم اللغة العربية، لكن لم يكن يجيد التعبير بها. كان الطابور أكثر رحمة من الفصل. ففيه حوصر ناصر بالأسئلة التي صارت كالقضبان الذي حال بينه وبين رفاق فصله. فإجاباته باللغة الإنجليزية جعلته معزولا في فصل يكتظ بنحو 30 طالبا. فكلما حاول أن يقترب منه زميل ردعه جيران ناصر مرددين:"إنه مسيحي لا يتكلم العربية". كافح ناصر في تطوير لغته العربية بمساعدة والديه ومدرس خصوصي، لكن لم تكن لديه الشجاعة لكي يحاول أمام زملائه الذين اعتادوا وصمه بالأمريكي، والمسيحي، والبنت، مما جعله ينأى عن التجريب وإثبات الذات خوفا من قذائف جديدة تجهض ما بقي في داخله من أمل. معلموه لم يكونوا أكثر تسامحا من رفاقه الصغار. فقد كانوا يقطفونه من الفصل أحيانا ويودعونه في غرفة المدرسين ليغني لهم باللغة الإنجليزية فيما هم يضحكون ويصفقون ببلاهة. ولم يكتف مدرسوه بذلك بل استخدموه كنكتة تضحك عليها زوجاتهم. فمازال يتذكر بدقة عندما اختطفه مدرس التاريخ قبل 23 عاماً من المدرسة أثناء الاستراحة وذهب معه إلى سيارته التي تنتظره فيها زوجته. وعندما وصل إلى المركبة فتح معلمه باب زوجته التي صافحت ناصر بحماسة وطلبت منه أن يغني بالإنجليزي! ظل ناصر يغني ويبكي ويكتم في نفسه طوال ثلاث سنوات حتى أنهار ولم يستطع أن يتابع دراسته في المملكة بعد أن فشل في الانسجام مع اللغة وزملائه. اضطر والده حينها أن يعيده إلى أمريكا. درس هناك الثانوية والجامعة. ثم توظف وتزوج أمريكية وأنجب 3 أطفال. عاد ناصر العام الماضي إلى المملكة مجددا بحثا عن الاستقرار بين عائلته. وحينها التقيته في منزل زميل في العمل ووجدته غاضبا حانقا يشتم البيروقراطية والواسطة والبطء في مؤسساتنا الخدمية بجمل عربية عرجاء تتكئ على كلمات إنجليزية سليمة. كان ناصر ينظر لكل شيء حوله بسلبية فاقعة. لكل شيء، حتى الثوب والشماغ. سألني أثناء الحديث:"كيف تستطيع أن تضع هذه القطعة الثقيلة من القماش على رأسك طوال ثمان ساعات". حاولت أن أمتص غضبه وأحاوره في العديد من القضايا، لكنه لا يسمع ولا يريد أن يسمع. عندما سألت زميلي عن ناصر الأسبوع الماضي أخبرني أنه عاد إلى أمريكا من جديد دون رجعة، فيما عدت أنا أتحسب على معلميه الذين لم يستطيعوا أن يشجعوه ويدعموه ويجذبوا طلابهم نحوه. المملكة تعيش اليوم أكبر حركة ابتعاث. ومن المنتظر أن نشاهد قريبا أكثر من ناصر بيننا. فاعتنوا بهم ولا تجعلوهم يذهبون!!